السبت، ٧ يوليو ٢٠١٢

أبجدية الانتظار

حين يجتاحك الحزن لا يطلب تأشيرة دخول او جواز سفر ، وكل احزان الارض لا تساوي شيئاً امام حزني .. مسكينة انا حين ظننت انك قد احببتني يوماً .. مسكينة هي انا التي احس بأنني اسفنجةٌ بالية ومن كل ثقبٍ ينفجر شلال حزنٍ جديد..فالبارحة غرقتُ في البكاء امام منظر المرآة المكسورة تضامناً معي ، وقبل سماع صوتك بقليلٍ لعنت كل الآلهة والأنبياء امام منظر ولد سوداني يخطفونه من حضن امه ويسرقونه من مقاعد الدراسة امام زملائه لطرده من هنا ..من هذه الارض .. ارض العسل الاسود والحليب الفاسد ، اما اليوم فدمعتي لا تجف وقلبي لا يتركني وشأني حزناً عليك وعلى ثقافة راديكالية متعفنة وحمقاء.. قبل ثلاثة ايام فقط زرت تاجر التحف والهدايا وطلبت منه ان يخط اسمك بمخطوطة تمتد على كل جدران البيت.. قال : أانت مجنونة؟ من يفعل اليوم حماقات كهذه .. ابتسمت في وجهه وقلت: من يحب حتى الثمالة والسعادة والحزن والوجع والموت وما بعد الموت ومن يخاف ان يتركه المحبوب ويرحل الى صدر امرأة كاذبة تقنعه بأنه الاول في عمر النبض والجسد ! قال متهكماً : خذي اي تحفة من هذه فالرجال عادة من يبحثون عن الورود والعطور والهدايا لنسائهم .. غضبت وحدقت به كثعلب جائع يريد ان ينقض على فريسته حالا وفورا ، وصرخت في وجهه : انت جاهل ! طرقت باب المحل الزجاجي وسرتُ متجهةً الى السوق القديم فهناك فقط اشعر ببساطة الناس وتفاؤلهم رغم العوز وديناميكية الحياة وسرعتها والتي لا تسمح لأحد بالتوقف لحظة واحدة.. اردتُ ان اخبىء ملامح وجهك بين ضلوعي، وان ارسم لنا خارطة عشق جديدة تعيننا على كم الحروب الهائل والقتل والدمار الشامل الذي يجاورنا ويأكل ويشرب من جرحنا المفتوح.. وخططتُ لأن آخذ قسطاً من الراحة مع عينيك وان نحتفل سوياً على شاطئ البحر بمناسبة ولادة حبنا قبل اكثر من سنتين في مثل هذا اليوم ، وحفرتُ في اعصابي طويلاً ولم اجد ما يليق برجل مثلك يحبني حتى الثمالة سوى " دمي ودموعي وقلبي وابتسامتي " ! أردتُ ان آخذك بين ذراعي كطفلٍ صغير كي تطرد تعب البال والنفس والشكوك وتدعها ترحل للأبد معتقدةً وبعد كل هذه العشرة ورغيف الحب والخبز الذي اقتسمناه معاً بأنك قد عرفتني اخيراً ! تعطلت لدي الحواس وصرتُ عصفوراً مبللاً بثلوج قلبك الذي لا يرحم حين تركتُ باب البيت مفتوحاً طوال الليل والنهار انتظاراً لقدومك، وعطرتُ جو البيت وعتبته بالخزامى ، مسحتُ عن وجهي غبار حزني وارتديتُ نفسي من جديد ، وقلتُ : سيأتي .. لا بد سيأتي .. اليوم سيأتي .. وكلما كنتُ اسمع طقطقة رجلين في الخارج خرجتُ ملهوفةً كمغفلٍ اضلّ طريقه ، وكل المرات باءت بخيبة املٍ جديدة ، واضطررتُ لتحمل فظاظة جارتي الحمقاء اليهودية من اصلٍ يمنيّ لتخفف عني حرارة هذا البركان المنفجر في العمارة كلها بعد ان اشفقت على حالي وراحت تسردُ علي نكتاً من العصر الحجري قد اكل الدهر عليها وشرب ، ولم ابتسم ولو للحظة .. ظلت تقنعني بأن كل الرجال اوغاد وبأنهم جميعاً كلابٌ تبحث عن اللحم الابيض يظلون يلهثون خلف المرأة التي تعجبهم وحين يملون منها يهجرونها نازفةً في وسط الشارع العام لحياةٍ حافية ٍ من نعل العاطفة وعاريةٍ من صوف الرحمة ! ظلت تقول : في مجتمعكم لا يحترمون المرأة بل يعتبرونها بضاعة والسلام .. يريدونها حبة قمحٍ فوق سنبلةٍ يابسة دون عقلٍ او تجارب وفي النهاية يبحثون عن الحبة وتقشيرتها .. في مجتمعكم يحبون اللهو كثيراً ويعبدون الجمال والنساء وينسون انها انسان قبل كل شيء .. في مجتمعكم الرجل شرقيٌ ومنغلقٌ حد الحماقة.. في مجتمعكم .. في مجتمعكم.. في مجتمعكم.. ظلت تقول وتردد حتى انفجرتُ وسكبتُ كأس الماء في وجهها وطردتها من على عتبة باب البيت كذبابة ٍ ساقطة ! لم ارد ان اسمعها لأني اعرف انها صادقة في بعض الامور ، والحقيقة تجرح احياناً لا وبل قاتلةً في كثيرٍ من الاحيان . أقف امام صورتك المقابلة لباب البيت تماماً.. اتأملك..اتأمل القمر الساطع في وضح النهار..اتأمل عينيك واسأل نفسي كيف يمكن لهذه العيون ان تقتل؟ واضرب رأسي في الجدار مراراً دون جدوى ! فتحتُ دفتراً قديماً كنت قد كتبت عليه بعض قصائد نزار قباني منذ ايام الثانوية ، وقلت لعل بساطة نزار ستذكرني بالعواطف الساذجة والصفح والغفران وقرأت: "شكراً.. شكراً لحبك .. فهو معجزتي الاخيرة شكرا لحبك.. فهو علمني القراءة والكتابة وهو زودني بأروع مفرداتي.. واغتال اجمل ذكرياتي.. شكراً من الاعماق !" لم تسعفني قصائد نزار كلها من اول الدفتر الاخضر الى آخره، لا ادري لماذا.. ربما لأن جرحي اكبر بكثير مما تخيلت .. او ربما لأن ذائقتي الفردية قد اختلفت وتغيرت وصارت اكثر نضجاً وفهماً وادراكاً للشعر فلم تعد تقنعني ابيات نزار ! ليست ذائقتي وحدها بل اشياء اخرى اكبر بكثير ايضاً ، فكيف ألجم نفسي وأنا صرتُ اقرأ كل شهرٍ اكثر من ستة كتبٍ، وأبادلك الحب كل ثانية في خيالي ، كيف ؟ كيف؟ ما عاد شيء يداويني الآن .. لا الشعر ، لا البيتلز ولا احلام الصبا.. ما عاد شيء يسعفني الا الامل والانتظار خلف باب البيت لساعاتٍ كل يوم.. كما الآن.. وسأتركه مفتوحاً على جهة القلب مباشرةً ! فهل اراك؟

الجمعة، ٦ يوليو ٢٠١٢

رسالة حب اليك

في كل مرةٍ كنتُ ادخل قصة حبٍ جديدة محملةً بالأسلحة ، ورائحةُ البارود تفوح من ثيابي بعد وهم حريقٍ اسميته حباً سابقاً ، كنتُ انا الرابحة الوحيدة في قصصٍ ابطالها عاشوا وولوا خلف غبار زمنٍ لن يعود ! الخساراتُ كانت كثيرة ، فقد خسرتُ جزءاً كبيراً من حربي مع الاعصاب وقطعتُ بحراً عميقاً من الذكريات ، وربما خسرتُ ايضاً بعضاً من اسمٍ كان لي يوماً قبل ان اقرر ان العب لعبة الاختباء من نفسي امام المرآة ، ولكنني اظل الرابحة الوحيدة في كل ما تطاير مع الزمن واعرف اني ربحتُ نفسي اخيراُ ! يناسبني هذا الحب ، يناسبني جداً ان احبك حتى الرمق الاخير ، فأنت كل الاشياء الجميلة مصنوعةً على شكل تمثالٍ يسمى "حبيبي" ، ويعجبني جداً ان اكون لي وحدي ولك وحدك ، وان اغازلك متى شئت واطرق بابَ مزاجيتي في وجهك متى شئت ، وهذا افضل كي لا القي عليك تعبَ القلبِ من اللهاث خلف طيور الاماني او حزن ما مضى ! أنت .. يا انت .. يا انا .. لا اعرف كيف اعرفك على نفسي المنقسمة على نفسها آلاف الانقسامات ، ولا اعرف كيف اعرفك على نفسك معي ، فأنت تعرفني بعض الشيء وأنا اعرفك جيداً واعرف انك تملك ثلاث ابتسامات جميلة : الاولى: واضحة وصريحة وتضج حين تضحك كالأطفال من مسرحيةٍ جميلة لعادل امام او من فستان قد ارتديه بالمقلوب لشدة انفعالي وسرعتي بالتجمل والتزين قبل ان تطرق بابي بلحظات .. والثانية : ابتسامة عريضة وساحرة لا تظهر الا عندما يعجبك مشهد البحر في هدوئه امام سيجارتك المشتعلة على مهل ، وحينما اريد عناقك بقوة فأتبعثر بين يديك .. اما الثالثة : فهي ابتسامةُ فخرٍ وحزنٍ متكسرٍ عندما اتعثر بخطوات الكلام ان وددتُ الحديث بطلاقةٍ عن آرائي البعيدة عن التقاليد امامك ! أنت كأس نبيذٍ احبه وأخشاه في آن ! يسحرني ويعدني بمستقبلٍ نخطوه معاً نحو حلمٍ بعيد وأخاف ان يتكسر فوق رأسي ، فالمسافة بيننا هي ذاتها المسافة بين السماء والفراشات ! انا اعرفك جيداً بل وأكثر من نفسي ، فأنا احب رجلاً حقيقياً وشهماً واخشى خيبة القلب ان لا اسمعه بوضوحٍ احياناً ، فأنت الآن بطل ايامي وأحلامي وحروفي معاً ، وأخاف جداً لأني اعرف بصدقِ كتبِ التاريخ ان زمن البطولات وصلاح الدين وأبي زيد الهلالي قد انتهى ! معك لا اسمع وقاحة الريح التي تطرق على ابواب فؤادي في شتاء ذكرياتٍ تقتلني ،ولا اصغي لنعيقِ اعداء لم اعتبرهم اعداء يوماً . معك ارسم لعصفور الدوري الذي يزورني كل صباحٍ قفصاً الى جانب شباكي الصغير كي يحمد الرب الف مرةٍ في اليوم مثلي لانه يتمتع بالتحليق والطيران في اي فضاءٍ كان ! يعجبني جداً انك ابي حبيبي وصديقي ، وأحب ان اظل طفلتك التي ترسم لك فوق المرآة قلوباً كالمراهقين ، وتعجبني تقلبات مزاجك التي تنتهي كلها في حضني ويعجبني اصغاؤك المهتم بي وبفكري معاً !! ويسعدني جداً انك لم تنتبه يوماً كم تعنيني تفاصيلك الصغيرة كأزرار قمصانك ولون محفظتك التي اخترتها بنفسي ورنة هاتفك المحمول المزين بقبلاتي كلما راجعتُ تفاصيل رسائلك النصية الجميلة وأيقنت اخلاصك لي ولحبي ، رغم اني لم اشك بك يوماً ولن ! وأعرف انك لا تأبه لقماش بنطالك الذي اعشق خشونته فوق ساقي فلاحٍ يذكرانني بجذع الزيتونة في ارض جدي الغائب الحاضر دوماً وابداً ! أنا اعرفك تماماً كخريطة كفي الصغيرة التي ان اوجعني اصبعي بها يوماً لشددته بقطعة حريرٍ ملقاةٍ على هامش الخزانة وبعض الاسبيرتو ، وأنت تماماً هكذا حين تجرحني عن غير قصد ، عندها لا افعل شيئاً سوى ان اضمك بحنان وسذاجة امٍ ونبكي معاً ، انت تبكي لأنك آلمتني وأنا ابكي لبكائك المر المالح الحزين ..! أنت .. يا انا.. يا قوس القزح في سماء السنين .. يا عسل التين .. يا زهو القمر في تمامه .. يا نرجسة تفتحت وفاح عطرها .. فوق ارض جسدي .. سنة تتلوها سنين.. أحبك .. فلا تبحث كجلجامش عن الخلود في الحب والحياة ، دعنا هكذا نكمل اقدم قصة كتبها الانسان ونحياها بكل لحظةٍ فيها ، ويناسبني جداً ان اكون امرأة الظل ، امرأة السر والخفاء ، فما من رجلٍ يرضى بعالمٍ واحدٍ فُرض عليه بحكم سنة الحياة والدين والتقاليد ! كل رجلٍ يبحث عن ذاته في عالمين اثنين : اولهما عالمٌ اعتيادي وممل تطفو على سطحه متاعبُ الحياة اليومية ورتابةُ تفاصيلٍ ترسمها زوجةٌ وأطفالٌ وغسالةٌ تتعطل وقرضُ بنكٍ يجب تسديده،وكتبُ رسمٍ ومحابر ودفاتر وواجب زوجي يجب اتمامه حتى لو عن عدم طيب خاطر ! وعالمٌ افتراضي سري مريحٌ لا تغطيه متاعب وواجبات وامرأة مدللة جميلة لا تطالبه بشيء سوى الحب والقبل وتعطر جوه بالموسيقى الهادئة والفانيل ، وتدلله بأسمى انواع الدلال : " الحرية" ! ان يقول ما يشاء ، ان يفعل ما يشاء ، ان يحقق معها كل "فنتازيا" تخطر على باله ، ان يدخن فوق السرير دون ان يخاف صراخ احدٍ ما بادعاء اتساخ الشراشف البيضاء ، ان يسير في البيت عارياً كالأطفال ، ان يلهو ان يرقص ، ان يسافر معها الى ابعد حدود الخيال ، ان يمارس الحب معها على ناصية الشارع العام ، ان تخطفه من نفسه ومتاعبه ، ان تجدد لديه حب الحياة ، ان تلون البيت لأجله بالتوليب والجوري بدل " البمبا وقطع الحلوى" المنثورة في كل ارجاء البيت . باختصار : ان يمارس الحب والحياة معها حتى الثمالة ! وأجل انا احبك ويعجبني معك ان اكون امرأة الظل ، ان اكون العشيقة والحبيبة على مر السنين ! كل منا يحب الاقنعة وحياتنا مسرحٌ كبير من الدمى ، ولا احد يجرؤ على خلع الاقنعة الا من يقنع اخيراً بأن كل واحد منا رجلاً ام امرأة امتلك حتى ولو بغفلة منه عالمين ! وأعرف وبحكم التاريخ والأمثلة الاجتماعية المتكررة ان لا رجل يخلص لامرأة واحدة وليس بالضرورة ان يكون خائناً !! أما انا فقررت ان اخلع كل اقنعتي ومقتنعة انا بحبك ونبلك وطيبة قلبك وأعرف وبعد كل ما مررنا من طرقٍ شائكة بأنك حبي الحقيقي المميز على مر السنين ويناسبني هذا الدور في حكايتنا ، فإن كانت حواء الاخرى تسرقك مني كل ليلةٍ فأوراقي ايضاً تسرقني منك ومن نفسي ! وأهوى هذه المسافة من الحرية بيننا ، فأنا اكره العقود والواجبات وجملة " أحبك الى الأبد" وأكره العيش في مجرةٍ تسمى "الواجب" ، الدين، المفروض، المفهوم ضمناً ... لا اطيق العيش في مساحةٍ صغرى تتسع لاثنين فقط ، عندها اشعر بالاختناق ، لذا لك وحدك ولحبري أخلص وأعتز بك لأنك صرت جزءا من صوتي وثلاث ارباعٍ من قلبي ، اما الربع الاخير فأتركه لي وحدي ، ولا اجمل من النوم فوق سريرٍ يضمني وحدي ولا اروع من ان ابدأ يومي بفنجان قهوةٍ ترافقه في الهاتف اوركسترا ألحان اشواقك وأحبك.. وأحبك !

الجمعة، ٨ يونيو ٢٠١٢

ميرا عوض وبساط المؤسسة الاسرائيلية

استفزتني الممثلة "ميرا عوض" في الفترة الاخيرة بعد اطلاعي على آخر مقابلاتها وشعاراتها الرنانة التي لا تتغير فكلها تصب في حِجر مدح الدولة ومؤسساتها ، واستفزني اكثر مناداة البعض بمقاطعة" ليالي الناصرة" او منع ميرا من المشاركة . ونادراً ما يستطيع احد ما اثارتي او استفزازي ! قلت بيني وبين نفسي من " نحن" ومن "هي" وفكرت كثيراً قبل كتابة هذا المقال خشية التجريح بأحد خصوصا " ميرا" نفسها بعد كل الانتقادات اللاذعة التي تلاحقها ، فنحن اولاً وأخيراً بشر ! وقررت ان احاول ان اكون موضوعية وحيادية قدر الامكان ! سألت نفسي عشرات الاسئلة : لماذا هي بالذات ؟ ولماذا نحن؟ ولماذا تهاجم "ميرا" في كل مرة تظهر فيها ؟ ألأنها امرأة ؟ ألأنها ناجحة؟ ألأننا نشعر بأن المؤسسة الاسرائيلية تهيمن على كل شيء خاصة على بعض فنانينا ؟ ولماذا نطالب بالمقاطعة؟ الأننا نخشى سماع الرأي الآخر ام لأن قلوبنا الصادقة ترفض تقبل ان احدا ما من بيننا قد قرر الانطلاق العبثي بعيداً عن الجماعة ؟ او لأن وطنيتنا لا تسمح لنا بتصديق ما تراه اعيننا بأن طاقة فنانة من فناناتنا تباح وتستغل ضدنا ولصالح المؤسسة الاسرائيلية ؟ وهنا لن اطيل الاسئلة اكثر ولن اسهب في الاجوبة لأنني لا احب المزاودة على وطنيتي ولا على وطنية الغير ولكن من يعطينا الحق بمقاطعة احد او منعه من الغناء لمجرد خلافنا معه في وجهات النظر او المواقف او نمط العيش ؟و الجواب : لا احد ! انما تظل لدينا " سوسة" الضمير الجماعي كوننا فلسطينيين اولاً واخيراً وهذه هي النقطة الاهم لدينا والتي تميز وجودنا هنا : مسؤؤلية حمل الهم الجماعي الوطني الفني والثقافي . ولأنني لم اعتد ابداً الكتابة حول موضوع ما قبل مراجعته ودراسته ، راجعت وعلى مدار بضعة ايام " بروفيل" ميرا عوض وأعمالها ، فمن هي ؟ ولماذا تثار حولها كل هذه الضجة ؟ " ميرا" هي ابنة الرامة مواليد 1975 والتي درست الفنون والأدب الانجليزي لمدة سنتين في جامعة حيفا ثم الموسيقى في كلية " ريمون" للجاز والموسيقى وأول اعمالها المسرحية المغناة " اذكر" ، ولديها العديد من الاغاني والأعمال والأدوار ، وتعرف نفسها على انها مغنية وممثلة وفنانة ، واشتهرت بدورها في سلسلة " شغل عرب" الذي يعرض على القناة الثانية ، والذي يمثل بشكل او بآخر صورة العربي السلبي ، الاحمق، السطحي والتافه الذي يطمح " للرقي الاسرائيلي المزعوم" او لمسح الجوخ حتى ينال من الحب جانب ! في عام 2000 صرحت " ميرا" بإحدى حفلاتها في نيويورك بحسب جريدة "هآرتس"في وقتها بأنها " من وقت اللينش بطلت فلسطينية وأنها انسانة وبدها تعيش لا اكثر ولا اقل " ! وفي عام 2009 كان العدوان الآثم على غزة وأطفالها ، وفي نفس التوقيت تحديداً شاركت " ميرا" زميلتها الاسرائيلية " نيني" في الغناء في مسابقة " اليوروفيجين"، وخدمت الدعاية الاسرائيلية المفبركة بالتعايش العربي الاسرائيلي والتي صدقت " ميرا" بأن التعايش هو مجرد " حمص وفول وبطيخ مبسمر "بين الشعبين لا اكثر ! وكأننا لا نعاني التمييز هنا ؟ وكأن اراضينا لا تصادر كل يوم؟ وكأن بيوتنا لا تهدم ابدا ؟ وكأننا لا نرفض في القبول للوظائف المرموقة والمراكز المهمة والمؤثرة فقط لأننا عرب ؟ وكأن كل شيء على ما يرام لدينا !! ولا انسى ذاك الموقف الذي تناولته الصحف والمواقع المحلية حول موافقة " ميرا" على الدعوة العامة التي وجهت لها من قبل المنظمة الصهيونية العالمية للغناء في الاحتفالات باستقلال اسرائيل التي اقيمت في لندن ولم تتراجع الا في اللحظة الاخيرة ! ودارت احاديث بعدم معرفتها اصلاً بحسب قولها ! واستغرب هل هي الحماقة؟ او الغرور؟ او فعلا تصديق الكذبة في اللاوعي لدى "ميرا" هو ما يدفعها الى هذه المشاركات؟ او ان حب الظهور والانخراط في كل ثقب ممكن في لوح الاعلام الاسرائيلي هو ما يدفعها الى ذلك؟ يؤلمني جداً ان " ميرا" وامثالها شريحة في اقليتنا لا ترى ابعد من انفها وكل همها الشاغل هو غزو الاعلام والمجتمع الاسرائيلي والتعشيش بينهم ! وأجل انا اوافق بأن وضعنا في داخل هذه الدولة هو وضع معقد وشائك ، فنحن بنظر هذه الدولة لسنا سوى مواطني درجة عاشرة تحت الصفر ، وبنظر اخوتنا في الدول العربية جواسيساً او خونة او ما شابه ، وبنظر انفسنا نملك هوية منقسمة على نفسها مئات الانقسامات وندفع ثمن هذه الانقسامات كل يوم ان كان على الصعيد الداخلي او الخارجي او حتى الشعوري لدينا ، لكن هذا لا يعطيكِ الحق " ميرا" انت او غيرك بتشويه صورتنا امام العالم او نقلها صورة مفبركة وكاذبة ! فنحن لا نعيش بوضعٍ جيد كما تدعين او تمثلين ، ولا فضل لأي احد علينا بالتامين الوطني او الخدمات الاجتماعية المختلفة لأننا ندفع ثمنها من ضرائبنا وأجرة عرق جبيننا كل شهر ، وهذه الارض ارضنا ،" وهذا الهواء الرطب لي" ، ونحن لسنا مثلك كما تدعين في مقابلاتك الاخيرة بأنه ان اردنا المقاطعة فعلينا مقاطعة الطبيب او الصحفي او مقاطعتنا جميعاً لأننا نتعامل مع المؤسسة ، فنحن نعيش هنا ومن الطبيعي ان نذهب الى عيادة الاطباء العامة التي لا نملك غيرها واجل نتعلم في مدارسنا وتحت ظل حكومة فرضت علينا منهاجاً نرفضه ، لكننا ندافع عن هويتنا كل يوم وكل لحظة ولا ننكرها وايضاً لسنا مثلك لأنك فنانة والفن هو وجه الشعب وحضارته وبما انك تدعين الفن ، فبدل ان تستغلي فنك لنقل صورة واضحة عن معاناة شعبنا وأقليتنا تقومين بمسح الجوخ بكل مناسبة وتتبجحين بكل صولة وجولة بمدح الشعب الاسرائيلي ومؤسسته وأنا ابداً لست ضد اي شعب ومشكلتي ليست ضد الافراد انما ضد الطرح السياسي الفني المغلوط ! وفي احدى مقابلاتك الاخيرة تقولين :" عليهم ان يشكروني فبفضلي تعرفوا على اللغة العربية وسط موسكو ومسارح العالم " ، ولأجل الصدق اضحكتني يا " شيخة ، شكراً والله يا ميرا على هالمعروف ، والله يرحمك يا غسان يا كنفاني ويا درويش والله يخليكي يا دلال يا ابو آمنة " ! فاذا كنت انتظر ان تتعرف الشعوب الاخرى علي وعلى لغتي من خلال هذه الصورة المشوهة التي تقدمينها والأغاني الضعيفة التي لا تختلف عن كل " الهيفاوات ، والماريات ، والدانات " لاستأجرت اول رحلة الى القمر وما عدت ابداً ! ويؤسفني ان اخيب ظنك يا " ميرا" فعندما تدعين بأنك تطمحين الى التغيير من خلال الحوار مع افراد الشعب الإسرائيلي وتعرفينهم علينا من خلال ادوارك او اغانيك فأنت مخطئة ومخطئة جداً ايضاً ، فأين هو الدور الحقيقي الذي قمت به ومن خلاله تعرف الشارع الاسرائيلي على جيرانه في القرى العربية ، بل اعطني اغنية واحدة تمثل حلمي بدولة فلسطينية الى جانب اسرائيل قد غنيتها ، بماذا تشاركينني انت بحلمي كعربية فلسطينية؟ ثم عن اي لغة واي تعايش وأي حوار تتحدثين يا "ميرا"؟ هذا الشعب لا يريدنا ولا يريد ان يعرفنا ولا يهتم بمعرفة تاريخنا ولا آلامنا او همومنا ، وحتى من تجدين منهم كذلك ستجدينهم عند اول مواجهة او حرب او عملية يرجعون للدفاع عن يهوديتهم ولا تعنيهم لا اليسارية ولا همومنا ولا حتى جرائم القتل في مجتمعنا كل يوم ، اما نحن فنعيش معهم ونعرف عنهم كل شيء وهم لا يعرفون عنا شيئاً حتى المعلومات الاساسية كالطوائف والديانات المختلفة لدينا والأحزاب وأسماء المدن والقرى والأحداث اليومية التي تحدث في مجتمعنا كل يوم ، وليس لأنهم لا يعرفون انما هم غير مهتمين او معنيين بمعرفة ذلك اساساً فنحن بنظر اغلبيتهم نكرة او شبه شعب يجب ترحيله من حيفا وعكا والناصرة الى الضفة والقطاع او الى السماء السابعة ان امكن ! فأي حماقة هذه ان تعيش مع شعب آخر اكثر من ستين عاماً ولا تفهم لغته او فنه او موسيقاه ؟ هذا الشعب لا يعرف عنا سوى " الحمص" وشخصية امجد الهامشية الحمقاء في " شغل عرب " ! اما عن الفن الذي تقدمين بحسب رأيي فاسمحي لي لأن اكثر من فن الاستعراض والتمثيل انت لا تملكين رغم اني احترم واقدر جداً نشاطك ونجاحك الدائمين ، لكن من يسمع الاغاني التي تقدمين لا يسمع صوتاً مميزاً ولا حتى احساساً صادقاً يوهمني ان ما اسمعه يخرج من القلب مباشرةً ، وغير مطلوب منك كما تدعين ان تكوني دلال ابو آمنة الثانية او امل مرقس ، فأنت تستطعين غناء ما تشائين وليس من الشرط ان يكون شعراً وطنياً ، لكن على الاقل اعطي المستمع احساساً بالصدق فيما تغنين ، وهذا اقل ما يكون! وبما ان الناصرة تحتفل هذه الايام بمهرجان " ليالي الناصرة" الذي ستشارك به ميرا فلم يستفزني سوى اولئك المنددين بمنع " ميرا عوض" من المشاركة في المهرجان ، والذي استفزني هنا هو الدكتاتورية في الفكر والتعبير ، فاليوم تمنع ميرا من الغناء وغداً يمنع احد آخر لسببٍ او بغير سبب ، وبعدها نريد فلان ولا نريد علان ، وهذا بحد ذاته يتعارض مع فكرنا الديمقراطي الحر ! وان كانت "ميرا عوض" تشكل صورة العربي الفلسطيني الذي يريد رمي عقاله وقنبازه وهويته في الخزانة ويضع " الكيباه" ويدور ، فلا يصح ان نقوم نحن بدور الدكتاتور الاعظم فقضيتنا اكبر من ذلك بكثير بكثير لأنها قضية وطن ثم وطن ثم وطن ثم وطن !

الجمعة، ٩ مارس ٢٠١٢

" ما زال الحلم على قيد الحياة"

يتفاجىء النبض من روحي الآن ! يخاف اللحاق بآخر وهجٍ لحلمٍ بعيد ... بعيد وأتفاجىء من نفسي الآن .. فلا حصان امتطيه، لا حبل نجدةٍ ينقذني ولا حتى لحن قيثارةٍ ضائعٍ حزين ! لا احد يقرع باب البيت او يزورني بالصدفة ولا شيء يجرؤ على حمل لقب " صديق" سوى قلمٍ متعثر بحفنة آلام متبقية لتحيي شعلة حبرٍ جائع،ولا احد ينتظرني هنا.. الا انت ، لا احد ينتظرني الا انت . هنا في المنفى .. كل شيء قريبٍ بعيد ، وكل عابر سبيل قد يكون مفتاحاً لباب قصةٍ قد تكتبك بدل ان تكتبها وان كتبتها ربما لن تنتهي .. هنا قد يمر قوس قزح الى جانبك ولا يراك ، وستمضي سائراً في ضبابٍ لا ينقشع .. والطريق ايضا لا تنتهي .. هنا في المنفى .. لا احد يهديك السلام او يصافح يدك الا لهدفٍ او لمصلحةٍ في نفس يعقوب وأتباعه ..هنا لا افكر بأي شيء محدد الا كيف انتظرك انت ، وكيف اغازلك انت وكيف اعانق وجهك الطفولي بين ذراعي ! هنا ، لا وقع لحديث السنديان عند عتبة بيتي الجديد، ولا باقةً سأهديها لقبر جدٍ قد ارتحل وغاب .. ولا طعم لزعترٍ مرتب في اكياس مزينة لا تقوى على حمل ذكرى لليلةٍ واحدة من ماض شعب ٍ اعتاد طعم الموت والدموع ، وطقطقة الاقفال وفتحها في بوابة مكتبة جارنا اليهودي الجديد في الحي نسبيا بعد ان اشترى شقة اليافاوي المريض القابع في المشفى لا تعني للجيران شيئاً بل تعنيني انا وحدي فلا احد يعرف مثلي كيف سيباع التاريخ بكلمتين وجرة قلمٍ واحدة في كتبٍ رخيصة ! هنا في المنفى لن تسمع عن غزالٍ قد التقى بغزالةٍ صدفةً هكذا ولوجه الله ، ولن تجد قطةً تشكوك امرها فحتى القطط صارت تدرك تماماً ان الاول من المارة سيمر ويعبس في وجهها والثاني سيسبها والثالث سيركلها كما يركل اي حجرٍ تائه في الطريق ! هنا.. لا يعرفون معنى رائحة البن الصباحية في فنجانٍ يضحك ، ولا يشكرونك ان قدمتَ لهم طبقاً من طبخك العابق بطعم المحبة وملح التراث ، بل سيرفضونك لأنك مختلف ومشكوكٌ في امرك ، فأنت موجودٌ في الدرجة المليون تحت الصفر لثقةٍ ضاعت مذ سميتَ في الهوية عربياً ثم طبعَ على جبينك بالبنط العريض بأنك فلسطيني ! في هذا المنفى وان سقطت سهواً او تعباً او ارهاقاً في الشارع المجاور لبيتكَ فلا احد سيرثيك، او يناجيك او يأبه قليلاً سوى حمامتين عاشقتين ، ولا احد سيقترب ليسألك ما بك سوى كلبٍ اضاع صاحبه ، او ربما قد ملَّ صاحبه منه وألقاه على ناصية الشارع العام ، واحمد ربك بأن بيتك قريب من هنا ! هنا وفي شمال تل ابيب لن تجد الآباء منشغلين باللهو مع اطفالهم ، بل في صنع الضوضاء واللهاث خلف غيم الايام القادمة ، وهم الحرب التالية ، ولن تجد رائحة حقيقية لأي شيء فحتى النرجس ذابلٌ في يد بائعة الورد التشيكية ، ولا تغريك رائحة الفلافل لدى "شلومي" فهي مزيفةٌ ايضاً ومأسرلةٌ حتى النخاع ، ولا تنتمي لا لطعم خبزك ولا لحمص اجدادك ! هنا ..يضيع معنى الوقت ، لا قيمة للساعة التي تدق فوق الحائط الا كي توقظك لتذكرك بميعادك الصباحي في مكتبك الجميل ( او هكذا يبدو للعيان)،فلا شيء جميلٌ هنا حقاً .. حتى وان دخلتَ المكتب كعادتك صباحاً وألقيتَ التحية على زملائك فسيصموا آذانهم وكأنهم لم يسمعوك فقط أنك عربي ، وكونك العربي الوحيد في شركة كبيرة كهذه لا يزيد الا الطين بلة خصوصا ً ان كنت متفوقاً علماً ، نجاحاً وجمالاً ايضا ، فاليهودي المتعصب لازال عالقاً بعقدة الفشل والخوف من نجاح الآخرين ! لا شيء جميلٌ هنا .. إلا فكتور ، هذا الحارس الروسي الذي يؤمن بمحبة الشعوب ، وبأن التبسم في وجه الغير صدقة ، وهل نحن شعب ٌ عادت تنفنا الصدقات؟ هنا .. في منفاي الاختياري تصبح زيارتي العبثية في الحلم للأهل والاصدقاء ولرائحة الصنوبر في الكرمل جسراً خرافياً معلقاً بين وحش العزلة وأمل التفاؤل الذي لا بد منه ! فلا شيء يدق القلب اكثر من حزن الذكريات . هنا او هناك او ما بينهما : ما عادت تعنيني المسافات او السنوات المارة بغير سبب كقطارٍ في سكة الشرايين ، فهنا لا معنى للانتظار ، فماذا ستنتظر ؟ أماً فرض عليك تركها دون تقبيل يديها؟ او والداً لا زال غاضباً من رائحة حبرك؟ ام جداً علمك الثورة ولن يعود؟ فالأموات لا يعودون حتى وان شئت ذلك ! ماذا تنتظر؟ حديثاً مع جاراً لا تعرف اسمه؟ أو فلةً لن تجدها على باب بيتك تناديك؟ أو عصفورةً ضلت سبيلها ووقفت على شباكك لتبشرك بأخبار الاصحاب ؟ ماذا ستنتظر بالتحديد؟ قلباً مثقلاً من هم الاشواق سيتركك يوماً وأنت نائم؟ أم رصاصة غدرٍ طائشة لن تصيب احدا ً لكنها ربما ستصيبك وبالخطأ فقط لأنك العربي الوحيد الذي ستكون بين الجموع في الساحة العامة؟ هنا ، لا جدوى من الانتظار وأنا لا اكره شيئاً بقدر كرهي للانتظار ! هنا : لا احب شيئاً بقدر رنين ضحكتك ، ولا اهوى الأشياء الا ان كانت جميلة في بحر عينيك ، ولا اغف ان لم تغف انت بين ذراعي كطفلٍ صغير ، وأنا اريدك طفلي الوحيد فلا احلم بأي امومة ولا اريد ابناءاً لهذا القهر ، لا أريد تحميلهم هم هذه القضية التي لا تنتهي وبؤس هذا التمييز في بلدٍ سميت يوماً بتل الربيع ويكفيني انك طفلي ، حبيبي وربيعي ! ولن اعدك بالزواج او عدم الإعجاب برجلٍ ما او شبحٍ من الماضي البعيد او المستقبل بل اعاهدك على الاخلاص حتى النبض الاخير في قصتنا ! هنا معك اختصر كل رجال الارض واختصر بك كل سنين العمر وما رحل وما قد يأتي ، فلا احد اهداني دنياه ودنياي معاً وحمل قلبه في كفة واحدة ووهبني اياه بشغفٍ الا انت ! هنا .. لا احب التحدث بهمسٍ الا معك ولا احب سماع قصائد الدرويش الا معك ، ولا أحب نغمة هاتفي الفرانكسيناترية الا لانها تحمل لي تغريدك الدائم ، رغم كرهي الشديد لهذه التكنولوجيا ! هنا .. او هناك او في المسافة الفاصلة بين الحلم والحلم : لا اعشق عمري الا لانه معك ! ولماذا احبك؟ لا ادري .. لا ادري ربما لأنك وحدك من منحني الحياة بعد موت محتم؟ ربما لأنك وحدك من تنام سنونوةٌ على راحة يده وتغفو دون خشيةٍ او وجل .. أو ربما لأنك من يمنحني الحب من كل قلبه هكذا وبكل بساطة ! ربما .. ربما .. أنا لا اعرف لماذا احبك حقاً ؟ لكني احبك وأحب اصل البلاد فيك ورائحة البرتقال في قمصانك ، واعشق التراب المعلق في طرف نعلك القادم من هناك ، وأحب طعم الشفاه التي لا تعرف الغش او الكذب واحبك واحبك هنا او هناك او في المسافة الفاصلة بين الحلم والحلم : أعيش واعشق عمري بين يديك ولولا هذا المنفى لما عرفتُ انك ستكون اباً صالحاً لم احلم به قبل اليوم لأطفالٍ لن يأتوا ولولا هذا المنفى لما عرفت انك وطني ، فالشكر للرب .. الشكر للرب ، لا زال الوطن على قيد الحياة ، لا زال الحلم على قيد الحياة ..لا زال على قيد الحياة !

الخميس، ١٠ نوفمبر ٢٠١١

زوجة ليوم واحد !

أقفُ الآن على حافة ماضيكَ وحاضرك معاً ، أقفُ وبيننا مسافة تمتد الى عشر سنواتٍ حافلة بالمعارك والهزائم المتتالية و الخيبات، فالبارحة كنتُ على عتبة امرأتك الاولى في البوم صوركما المشتركة واليوم اقف على عتبة امرأتك الشرعية الوحيدة باستثناء الذكريات ! أقف بينهما وأتأملك وأوبخ نفسي عشرات المرات ، فكيف سمحتُ لروحي بأن تزج بطهارتها الطفولية بينكما وتلعب دور الساحرة الشريرة الغائبة عن منطق المحبين ، وأتساءل كم نبضة مستقبلية سأوزع بين حبك وعذاب ضميري الأبدي ! أنسى او اتناسى او اضيع بينهما ....وأصور نفسي زيتونة نمت الى جانب قدميك وامتدت في الأرض سنيناً ولم تنتبه اليها الا بعد ان حان وقت قطافها المؤجل ! أحب هذا الشعور بالسرقة ،بالمراوغة، بالخطف ، أحب ان اغامر وان اسرقك حتى من نفسك ولا شيء يمنعني عن الغبطة حين افاجئك بقبلة عند الصباح ! كيف أطعتك وجئتُ الى هنا ... لست ادري... لكنني اعلم بأن الفضول كان سيقتلني إن لم أكن معك الآن ..الآن ! لم أقم بأدوار الانثى اللعوب ..اللصة ..السارقة ، ولم أقم بأي فعل ٍ شرير يدينني من قبل ، لكنني اعترف اليوم بأن لطعم السرقة والمغامرة نكهةٌ خاصة لم اجربها من قبل ! الآن وعلى باب بيتك علقت مفاتيح قلبي على علاقة نجوم هذه الليلة الباردة ، نظمتُ انفاسي كأوركسترا متأهبةٍ لحفلٍ تاريخي صاخب ! مشيتُ على رؤؤس اصابعي خوفاً من نظرات الجيران المتلصصة حتى لكعب حذاء صغير تترنح فوقه صبية غضة ! الآن وعلى باب بيتك ألقي بكل مخاوفي وظنوني المسبقة حول امرأتك الشرعية الوحيدة ، وأدخل بهدوءٍ عبثي مقصود ..! وأتفاجىء من رائحة الياسمين تهب متجهةً نحوي لتصفعني مراراً والآن عرفت ان لي خصماً غير سهلٍ ابداً .. ويا للغرابة فنحن النساء نظل دوماً متألقات، جميلات، حسناوات، ذكيات، حتى يأتي يوم ويأتي رجل واحد ليضعنا في خانة مقارناتٍ غير مقصودةٍ احياناً ومقصودة في كثير من الاحيان ! فمن كان يتوقع مني يوماً ان ادخل مملكة امرأةٍ اخرى تشاركني الرجل ذاته المتربع على عرش قلبي شئت ام ابيت .. وان استغل فترة غيابها عن بيتها لأفتش في زواياه عن الدلائل التي اثبت بها افضليتي وأهميتي وأولويتي عليها حتى لو كانت هي الشرعية والأولى بيننا ! حربٌ ادبية تدور بيني وبين نفسي لتضعني في خانة المتهم والشرير والآثم كل الوقت والغريب في الأمر اني سعيدةٌ جداً لا وبل اكاد اطير من الفرح ! فأنا الآن في بيتها وأشرب قهوتي على اريكتها المخملية دون اذنها ، وأتبادل القبل مع زوجها وأتعرف على مواطن ضعفها في هذا البيت نقطة نقطة ... لعل كل هذا سيساعدني على الانتصار عليها ذات يوم ! وأعترف بأن زوجها او حبيبي هو كل حياتي التي لم اجرؤ حتى ان احلم بها ولا اخطط لسرقته منها او اتزوجه مكانها فأحلامي تبعد مائة سنة ضوئية عن حياة الدجاجات وحبات القمح وتجوال الصيصان اليومي ! لكنني اريد منك يا من احب ان تكون بروحك لي وحدي فالجسد آخر همومي ! أقف الآن بين صور حبيبتك الاولى في الألبوم قبل عشر سنوات وبين زوجتك هذه وأجد باني اختصرهما في اصبعٍ واحد من اصابع يدي او ربع ابتسامة من ابتساماتي الخالصة التي تدفع نصف عمرك لتراها ...! شعورٌ غريب غريب وأعترف لك بأنني متفاجئة الى ابعد الحدود فكل ظني كان ان ادخل الى مملكة امرأة غبية وقذرة ورائحة البصل والثوم تفوح في كل مكان ومنافض السجائر ترقص فوق طاولة الصالون في هذا البيت ..لكنني لم اتوقع ان اجد امرأتك الشرعية على هذا المستوى من النظافة والنقاء والذوق الرفيع حتى في قمصان نومها الحمراء والخضراء والزرقاء ...! - لا عليكِ يا حلوتي فالحياة مليئة بالمفاجآت رفعتَ رأسي من على ركبتيه ، نظرت في عينيه غاضبة: - أتحبها؟ - هي ام اولادي وعشرة عمر ولا تمسني بمكروه ابداً - من منا تحب اكثر؟ - طبعاً انتِ .. طبعا انتِ أبعدته عني بحزم سائلة اياه : - إلى الأبد؟ - أنا لا أؤمن بالأبدية يا صغيرتي وأخذ يتلاعب بخصلات شعري وقبلني من بين عيني قائلاً: - إلى يومي الأخير في هذه الدنيا ستظلين الأجمل والأطيب والأغلى وأذكى نساء الأرض جميعا فافرحي وان اردتِ الزواج فأنا هنا ! ربتُ على كتفه وقبلته من جبهته وقلت: -لا أؤمن بهذه المؤسسة الفاشلة ولا أريد الزواج بكَ انتَ بالذات كي أظل الأبهى والأجمل دوماً لديك، فكل الرجال مستعدون لخيانة زوجاتهم الكريمات ولا يخونون عشيقاتهم فهن دوماً بعيدات عن متناول اليد حتى النهاية وهن وحدهن غير مفهومين ضمناً لديكم كباقي النساء ! ضحك وضحكت وساد الصمت برهة بيننا فجأة.. _أهذا يعني انك لن تخونيني ابداً؟ ضحكتُ مجددا وقلت: هذا يعني اني لك وحدك طالما لن تخونني بروحك ابدا وليست العقود الزوجية والترهات الاجتماعية هي التي ستربطني بمن أحب وأنا لك طالما لن تخونني بجسدك الا مع زوجتك الشرعية صاحبة الذوق الرفيع فمن يحب الآخر يعطيه الغبطة والحرية باختيار ما يفعل ومن يمس وكيف ومتى اراد ذلك ، على عكسكم انتم الرجال فمعنى الحب لديكم دوماً يتبلور في مكنونه بالملكية الفردية والاحتكار روحاً وجسداً رغم ان الخيانة تتلخص في طعن الآخر بظهره وفعل الاشياء بالخفاء دون علم الطرف الآخر ! - اتركيني من معارككِ معي ومع الرجال وتعالي ، اقتربي قليلاً... أمسك بيدي ، قبلني ، تناول احد قمصان نومها وقال : ارتديه .. أريدك زوجتي ولو ولو ليومٍ واحد ! نظرتُ اليه وطال تحديقي به الى ان دخل غرفة نومهما وانتظرني مجرداً من كل ملابسه كالأطفال .. هناك.. هناك على باب جنتنا الآثمة!

السبت، ٩ أبريل ٢٠١١

ارحل (२)

لكَ ابتسامةُ ظلي الغائبِ..
ولي رقصةُ الموتِ..
في ليالي الطويلة !
لكَ تتثاءب زهور انفاسي
ولي بكاء الجديلة..
لكَ بوابات الوقت..
كلها مفتوحةٌ..
ولي عشرُ ثوانٍ قصيرة..
عشر ثوانٍ تكفيني ..
لأعيش دهراً في ظل الألم
ليغيب العمر هارباً..
وتصير الدمعة سفيرة..
عشر ثوانٍ تكفيني..
لتتساقط اوراق قلبي.
لتضربني موجةُ الحزنِ..
مرةً عند الفجر الذي لا يأتي
ومراتٍ حين يضيع الفراش دربه..!
لكَ عباءة طيفي..
في شتاء حياتنا..
ولي بردُ بعدك والفراغ
لكَ قيثارة صوتي
ولي خناجر اتهامك..
وجرحي..
لكَ ايامي..
ورود صبايَ وأحلامي
ولي غيابكَ..
وكأس الضياع !
من انت؟
من اي صحراء جئت؟
اقصدتني طالباً حبي..
ام تهت؟
فلكَ رنات ضحكي..
في ساعات الوحدة..
تؤنسك وتهنيكَ..
ولي بركان غضبك الثائر..
يذبحني ويناديكَ !
عبرتُ من بوابة اللارجوع..
رسمتَ في حضنك..
زهوراً لن تزهر..
ماتت هناك..
فوقفتُ تمثالاً من دموع !
لك الألوانُ ،
السلامُ ،
الأمانُ..
ولي الفجوع !
لكَ كل شيء..
وأي أي شيء
ولي بضع كلمات..
تائهة بين شعرٍ ونثرٍ وموت
أأقول احبك..
وبي مسٌ من جنون؟
ليتها كانت ذات وعي ..
تلك العيون!
فلك كل شيء
ولي..
قصيدتي وغربتي ..
وصمت سمري ووحدتي
فخذ كل شيء وارحل..
ارحل !

السبت، ٢٦ مارس ٢٠١١

مكانكم في الشارع

أشعر بالغثيان حين أحس ان للصمت رجلان يسرح ويمرح بهما في كل مكان بيننا، في فكرنا، في قلوبنا ، في بيوتنا وحتى في الندب الباقي لنا !
قد لا اكون محايدة كفاية وربما لن استطيع ان اكون محايدة أبداً ففي دمي "سوسة " التمرد وفي عقلي ثورة تغيير وجب عليها ان تحدث آجلاً أو عاجلاً ..
قد لا اكون فصيحة أو متفلسفة بالقدر الذي يفرضه علي واجبي او رسالتي التي لن تنتهي بمجرد مقال عابر عبر صفحات "النت" او الشبكات الاجتماعية المختلفة ..
وقد لا أكون متوازنة او عادلة بما يكفي لأمدح بعضكم او كلكم ...
لكنني لا افهم شيئا الآن سوى انه حان وقت النزول الى الشارع ،
اجل حان وقت كشف السواعد والأكتاف والصراخ والهتاف !
مجنونة؟؟؟
ربما..
لكنني ارفض ان اكون اليفة..
ارفض ان اكون سخيفة..
ارفض ان اكون منغلقة ..
ارفض ان اكون بليدة ووضيعة !

لماذا؟
لأنني امثل عقلاً ضمن 20% من عقول سكان هذه الدولة العرب والذين بقوا في بيوتهم وحفظوا وطنيتهم من التلف عبر كل ما مضى من سنين ولأنني العربية الفلسطينية والتي اسكن هذه الدولة التي هي بذاتها جاءت إلي "بدون لا احم ولا دستور" ، ولأنني احفظ رائحة النعناع والزعتر في شراييني و تراثيات جدي وجد جدي عن ظهر قلب وأصر على تسمية الأشياء باسمها و اعرف تماما باني لست من عرب 48 أو عرب اسرائيل كما ينادينا البعض في الدول العربية وكأن هذه هي تهمتنا وهذه هي جريمتنا متناسين ان حكامهم الطغاة هم أول من باعنا ..
و إن كنت ارفض انني من عرب 48 وارفض اني عربية اسرائيلية وارفض ربطي وتعليقي من تلابيبي بأي دين .. إذن ما هي هويتي؟ ومن انا ؟ ولماذا علي ان اصرخ في وجهكم انتم شباب اليوم..شباب النت والتشات والغوغل والآي فون وأحرضكم على التفكير؟ لماذا علي ان احك عقولكم بظفري وهواجسي؟
ثم لماذا نقف مكتوفي الايدي عند سن كل قانون عنصري ضدنا في الكنيست الاسرائيلي؟ خاصة اننا سمعنا جميعاً بقانون النكبة الاخير وبقانون تحديد مكان السكن لفئة معينة في البلاد ؟
لماذا لا أراكم في الشارع عندما يأخذ كل طالب جامعي يهودي امتيازات ومنح أكثر منكم؟ لماذا تختفون عندما يناشد رجل دين يهودي هنا وهناك بعدم بيع الشقق او تأجيرها للعرب؟ لماذا الصمت بعد كل عملية قتل او سلب او نهب في وسطنا العربي؟ لماذا نصمت بعد كل مصادرة قطعة ارض جديدة ؟ ولماذا الصمت عن الهوية ثم الهوية ثم الهوية؟
فإن كنا نعيش كلنا نحن " وأولاد عمنا " في دولة واحدة لماذا لم أرَ فردا واحدا منكم ينادي بأعلى صوته نريد دولة لجميع مواطنيها؟
لماذا؟
وما اسخف اولئك الذين يتبجحون بوقاحتهم ويطلبون منا الرحيل والهجرة الى أي دولة عربية وكأن هذا هو خيارنا ومصيرنا رغم اني لا اعرف كيف يخلط هؤلاء بين شعبان ورمضان فطبعاً ارفض الهجرة لأي دولة وبالأخص إن كانت عربية فهنا ارضي ..هنا بيتي..هنا هوائي الجليلي.. وهنا عكاي و يافاي ..والاهم من هذا كله فليعطني هؤلاء دولة عربية واحدة علمانية !!
ألم يحن الوقت للنزول الى الشارع بعد؟ هل شباب مصر وتونس وليبيا هم وحدهم يعرفون المظاهرات؟
اشعر بالغثيان حين احس ان للصمت رجلان يسرح ويمرح بهما في كل مكان بيننا، في فكرنا، في قلوبنا ، في بيوتنا وحتى في الندب الباقي لنا !
إن كانت الهوية والعنصرية ليستا سبباً كافياً في ثورة شبابية قادمة ،أوليست اوضاعنا الاقتصادية سببا كافيا لوحده ؟ يكفي ان نسمع عن مئات العائلات بالكاد تنهي الشهر بكرامة واحياناً لا تنهيه.. ألا يكفي غلاء الوقود والماء والمواد الغذائية الأساسية سبباً للتظاهر؟ ألا يكفي ارتفاع نسبة الضرائب سببا ؟ ففي هذه الدولة لم يتبق سوى ضريبة واحدة لم تسن بعد .. على الهواء الذي نتنفسه..!
والعار ثم العار لنا نحن الشباب حين نرضى بأن يجلس البعض منا في مكاتب العاطلين عن العمل او في المقاهي لتدخين النرجيلة والحشيش .. اجل الحشيش فلا ترفعوا حاجبكم الأيمن وكأنكم لا تعرفون...!
ولنقل ان هناك فئة " مغلوب على أمرها " وعاطلة عن العمل أوليس من العار ما تدفعه لنا الدوائر الرسمية ونحن في هذه الألفية؟
أوليس هذا سبباً للنزول الى الشارع والصراخ بكل ما اوتينا من قوة ليعلم من لا يعلم اننا لسنا بالأغبياء !
"آه آه" ..اجل فهمت..
نحن ننتخب لذلك لا داع للتظاهر..
يا سلام !
أين هم أعضاء الكنيست العرب عندما تقتل صبايا في عمر الورود على خلفية ما يسمى "شرف العائلة".. " وأي شرف وأي جزمة قديمة وأي بطيخ اصفر "!
أين هم أعضاء الكنيست العرب حينما تسن القوانين وتنسج الحكايات والروايات التي اكل عليها الدهر وشرب في الاعلام الإسرائيلي الموجه؟
أين هم بالضبط حينما تبحث "كالكلب الضال" عن بيت تسكنه او تبنيه فلا تجد حتى قطعة ارض تبني فوقها ؟
أين هم؟
ومع احترامي وتقديري لهم مهما فعلوا غير كافٍ، ومتى نراه كافيا؟
عندما يزحف صرصار الانتخاب مقترباً طبعاً !
وطبعاً هذا اذا افترضنا ان اعضاء الكنيست العرب ولجنة المتابعة العليا تمثلنا جميعاً بالفعل !
هل مجرد انتخابك لهم يعني انك بت أصماً وأبكماً ايضاً؟
اشعر بالغثيان حين أحس ان للصمت رجلان يسرح ويمرح بهما في كل مكان بيننا، في فكرنا، في قلوبنا ، في بيوتنا وحتى في الندب الباقي لنا !

وأنتن..؟
أجل انتن؟ أين انتن بالضبط من كل هذا؟ ولم يتوجب على الرجال وحدهم النزول الى الشارع ؟فان كان شباب اليوم يملك سبباً واحداً للصراخ انتن تمتلكن مائة سبب للصراخ والصياح والمواء حتى تتقطع كل أوتاركن الصوتية ..
الم يحن الوقت بعد للظهور وعدم التخفي خلف اقنعةٍ ليلية وشعارات سخيفة؟
فأنتِ سيدتي من نقش المجتمع كله على جسدكِ طغيان ذكورته بأظافره العشر من أبٍ وأخٍ وخالٍ وعمٍ وشيخ ..
أنتِ سيدتي من أحرقوكِ بنيران تخلفهم وعنجهيتهم وجهلهم فلا تلبسي كذا ولا تتمكيجي كذا ولا تقرأي كذا ولا تكتبي كذا ولا ترفعي صوتك ولا تفكي ضفيرتك ولا تصادقي فلان ولا تسافري مع علان .. وليس مسموحاً لكِ بالاعتراض أو النقاش وغير مسموح لكِ حتى بالخطأ..
وإن قتلوكِ بدم بارد لن يجمع احدهم أشلاء روحك..
فيا سيدتي إن لم تمزقي ستائرهم سيمزقونكِ، وإن لم ترفعي صوتك سيرفعون هم أرجلهم فوق صدرك ويدوسونكِ ،وإن لم تأخذي حقك بالكامل وبكل شيء فسينهبون صوتك وجسدك وحريتك ويرفعون اصبعهم الأوسط في وجهك كل ثانية لأنك وحدك من رضيتِ بالصمت منذ البداية !
إذن ، ما المطلوب؟
النزول إلى الشارع.. ثم الشارع ثم الشارع ..

السبت، ١٢ مارس ٢٠١١



"مناقيش يهودية"

استيقظ هذا الصباح على ظهر غيمةٍ سابحة ،معتدلة المزاج كفراشة ،انفض بقايا الحلم عن قلبي بتثاؤبٍ بريء وهادئ فالسماء تمطر اليوم فرحاً كتأملي البهيج و المؤجل بوطنٍ محرر !
نقرُ زخات المطر يرسم على النافذة لوحةً سريالية لا يكتمل رونقها سوى بإبريق شاي معطر بالنعناع والليمون ، ورغم اني افضل رشف القهوة كل صباح على مهل كمن يرسم صورة لوجه فلاح فلسطيني فرِح بين كل رشفة وأخرى الا ان للنعناع في الشتاء لغة ودية لا افهمها ..
أحضّر الشاي، امسك بحزمةٍ من اوراقه الخضراء المنعشة ، اشمه، اضمه كمن يبحث عن صدر امٍ مطرزٍٍ بالقصب ولا ادري لماذا تتسابق الى مخيلتي صور اجساد امهاتنا فهُم كساق النعناع تماماً والذي قد يصفر وتصيبه الحمى انما يبقى صامداً في تربته مهما حصل .
أجلس على الاريكة ، ارتشف الشاي، أطالعُ الاخبار على عجل رغم محاولاتي المتواصلة بالامتناع عن ذلك، فمنذ سنين لم اسمع خبراً واحداً يفرحني ودوما باءت محاولاتي هذه بالفشل وابتسم حين يخيل لي بأنه حتى لو انهال العالم والسقف فوق رأسي لن اترك كوب الشاي بالنعناع " وليولع العالم بكاز" !
البشرة النضرة الهادئة ، بقايا حلمٍ نائم في الجفون ، خفقٌ منعشٌ في القلب هي علاقة غريبة تدفعني للعب بريشة الوان الماكياج المختلفة "هه هه طلع الصبح واستيقظت النساء لتمجد المرايا" ، اقول كلماتي بمونولوج مشاكس ، امجد ملامحي وأرتبها وانزل ادراجي مهرولةً الى حديقتي الصغيرة .
أروح وأجيء فوق التراب واغرق قدمي بالوحل قاصدةً تعميدها بقدسية المطر والتراب، أروض حماسي الشديد وأتأهب للذهاب الى عملي الذي بتٌّ امقته بشدة ليس كسلاً وإنما لغصةٍ في القلب تذبحني حينما ابتعد عن رائحة الورق والحبر والتراب واضطر للتعامل طوال النهار مع لوحة مفاتيح ديجتالية لا تحس ولا تشعر !
أعالج ألم القلب ببعض الموسيقى للثلاثي جبران في جهاز " ا لام بي 3 " وارقص مغمضة العينين فاتحة ذراعي للمطر مترنحة كالسكارى فأتذكر رقصتي مع جدي عندما كنت في الخامسة حين كان يقف تحت زيتونة البيت ليتركني اغني وارقص بسذاجةٍ تحت المطر فيخبأني تحت عباءته خوفاً علي من المرض .
" يرحمك الله يا جدي .. اه كم اشتاقك .. يا ليتك تعرف كم تحاصرني الجدران .. كم ألوب لأهرب الى صدرك من هذا الاختناق اليومي !"
يتناثر عقد دمعي وليس ضعفاً انما هو الحنين.. وحده الحنين ..
أحمل قلبي وحنيني واخرج الى معترك الحياة اليومية.. ويا للغرابة فالبشر يتزاحمون على كل شيء في هذه الدولة التي يصرون تسميتها بالعبرية ، يتزاحمون على مكانهم في التاكسي، على دورهم في المخبز، على شبح سعادتهم الوهمي ، حتى على لحظتهم الهاربة من هذا الكون ، يا له من شعب يتنفس من رئتي ضغطه ووقته المسروق !
أدخل المخبز، انظر حولي، ابحث عن شيء لا اعرفه ، لا شيء مغرٍ هنا ، لا يوجد أي شيء استثنائي هنا فأقراص الخبز كلها كالوجوه الغاضبة ..
أسأل البائع عن خبزٍ يشبه وجه مناقيشنا المبتسمة وأحاول الشرح له قائلة :" هذا القرص المدور كالقمر في ليلة تمامه الا تعرفه؟ هذا المغمور بزيت زيتونٍ سرقتموه.. الا تعرفه؟ هذا المفروش بزعترٍ يعبق بدمع صبايانا وآهات جدي وجد ابي وأمي .. الا تعرفه؟ هذا الذي يناديني برائحته عن بعد عشرات الامتار .. هذا الذي يحرضني على ان ارفع اصبعي الاوسط امامك الان حالاً وفوراً فهل تفهم؟ ولكني لن افعل .. اتعلم لماذا ؟ لأن جدي أمرني بالشهامة امام عدوي والحفاظ على حياته إن صادفته خارج ساحة المعركة عكسك تماماً يا هذا "!
اخبىء جمرة مونولوجي في صدري وأتناول القرص بتعجب ..
-أهذه مناقيش؟ اسأله بعفوية بالغة..
-هذا ما لدينا وهذا ما صنعناه ..
يجيب بامتعاض شديد!
أحملق بالقرص ، انظر اليه .. اتفحصه من كل الجهات .. اتحسس الزعتر المرشوش فلا اجد سوى بقايا النكبة هنا ..القرص غارقُ بدمعه ، الطرق فوقه وعرة ومهدمة كمعظم البنى التحتية في وطني والزعتر ميتٌ وكأنما دبابة مرت من فوقه وطحنته..
صحت بأعلى صوتي .. ما هذا؟
نظر بائع الخبز الي والدم متجمدٌ في عروقه متسائلاً عن سبب صراخي ..
-أتسمي هذا مناقيش؟
- قلت لك هذا ما لدينا الا تفهمين؟
- هذا ليس خبزاً.. قل هذه نكسة.. هذه حرب.. هذه جنازة .. هذا مذبح..
حملق البائع بعيني وصوب نظرةً الي كالبندقية .. تناول الرغيف من يدي بقوة واوقع الهاتف الخليوي مني وحين سمع رنته حينما غردت فيروز بالعربية ، رجع خطوة الى الوراء ،،نظر الي بقرف واشمئزاز .. نعتني بأبشع الصفات وأصر بأنه لا يبيع الخبز للعرب !
خرجتُ من المخبز غاضبةً وشعرتُ بالاختناق والدوار معاً.. ابتعدت عن المكان فاتحةً ذراعي للسماء مجدداً باحثة عن أي عصفور ..
لا شيء.. لا شيء.. حتى العصافير تهرب من بلادي !

الجمعة، ٧ يناير ٢٠١١