الجمعة، ٧ يناير ٢٠١١



ارحل..

فلتدر المفتاح في بوابة السنين ولترحل..
يا سيد احلامي ...
لا تعد أنك عائدٌ...
ولن تفعل ..!
انزع بصماتك من فوق كؤؤسي ..
من فوق خزائن بيتنا الجميل ..
خذ كل ما شئت من رماد فانوسي ..
خذ مراياك الفارغة ..
وحصانك الاصيل !
ولترحل..
خذ طعم قهوتنا المسائيةِ..
من شفاهي ..
والأحمر البرّاق ..
من ليالينا ..
وفاكهة خيبتي وغبائي ..
وارحل ..
خذ قيثارة صوتك معك
وشبح طيفك حول اوراقي وحبري..
وصورتك من محفظة ذاكرتي ..
وفساتينك ..
وهداياك..
وحسابك البنكي ..
وعباءة شكوكك..
خذها ايضاً معك !
وارحل ..
خذ مني لون عيني ..
وفرحة السنة الاخيرة..
خذ قصورك..
وسجنك الكبير ..
ودمع شمس الظهيرة !
خذ رائحتك من فوق جسدي وكفوفي..
وبهجة القلب..
ونبيذ الحب من قطوفي ..
وارحل !
خذ ابتسامات الورد..
من فوق صدري..
واشطب اسمك..
من بحر لفظي ..
لا اريدك فصلاً آخر..
في قصة بؤسي !
واقتل في صمتك..
كل اسماء ابنائنا القادمين..
ولن يأتوا ..
ولا تهدأ قلباً..
على بعدك لن يغفو..
لن يغفو !
خذ ملحك..
وجرحك..
وسيفك..
وظلك..
وبراءة عينيك..
وتعصب قبيلتك..
واتركني لحزني وشجوني..
وودي وظنوني
لا أريد لتاريخنا هذا الشقاء..
لا أريد لوسائدنا هذا البكاء
فأنا كمصباح الطريق..
وحيدٌ ..
إنما لا يكسر مرتين..
ولا يحيا لينير دربك مرتين ..
فارحل ..
ارحل ...

الثلاثاء، ١٤ ديسمبر ٢٠١٠



عارية ولكن!

في كل مرةٍ كنت ارسم فيها قوس قزح كنت أمده على كل الصفحة بمقدار كل الواني الخشبية والزيتية كلها مجتمعة معاً ، وفي وسط الورقة كنت اخترع خطوطاً لشكل امرأة عارية تبتسم ودموعها تسيل على خدها انهاراً من اللؤلؤ..
لم يكن أي شيء قد يجمع بين صورةٍ لقوس قزح وامرأة تبكي وتبتسم معاً إلا شيئاً واحداً : فرحٌ لا يشبه الفرح !
وعلى قارعة الطريق اتمدد بصمتٍ هكذا .. بصمت قوس قزح الذي ينبض بصوت التفاؤل والفرح ، على قارعة الطريق اتمدد كما تمتد مساحة الكلام .. كما اتمدد بهدوء وحذر على حافة الحياة !
قذفت على قارعة الطريق من حيث لا ادري ، دفعني احدهم وألقى بي من الطابق العاشر للحلم بعد إن صفعني صفعتين : الأولى كي توقظني من عالمي المعقم والثانية كي تجبرني على كسر الصمت والخجل والبراءة.
أتمدد ..أمعن النظر في الفراغ ، أروض النبض والكلام وحين بدأت اعجز عن ذلك قررت ان انهمر على الورق مطراً مترعاً بالنقاء والأسرار معا ً ..
أتساءل بيني وبين نفسي لماذا نظل نلعب ادوراً لا نريدها معظم الوقت فربما نستطيع برمجة انفسنا بحسب ساعات وأزمنة قد صنعناها بأنفسنا لنخلق نظاماً وهمياً كاملاً نرتب به عقولنا وأيامنا وحياتنا لكننا نتناسى تنظيم عوالم الفوضى في داخلنا .. أترانا غير قادرين على ذلك؟
ربما لهذا السبب لا زالت المرأة في مجتمعنا تلعب دور البريئة الساذجة غير المجربة أمام من تريده زوجاً للمستقبل ، فحين يسألها مثلاً عن علاقاتها السابقة تفضل ان ترسم ابتسامة خجولة مدعيةً انه حبها الاول والأخير وان "ما حدا باس تمها غير امها " ، او مثلا ترانا نجد ازواجاً يعودون إلى بيوتهم على رؤؤس اصابعهم بعد منتصف الليل وحين تصطادهم الزوجة يدعون بأنهم مرهقون من العمل رغم ان الواحد منهم قد كان يسرح ويمرح في حضن عشيقته ، او حتى بمجرد مقابلة عمل بسيطة ترانا نهلل ونمدح بهذا العمل بالذات واننا اخترناه وفضلناه على غيره لحبنا فيه رغم أننا نعرف بيننا وبين انفسنا ان كل هذا غير صحيح وأننا ذهبنا مجبرين بعد ان بعثنا بعشرات الرسائل الى مكاتب اخرى ولم نستدعى اليها !
نلعب ادواراً كل الوقت وحتى دون ان نشعر وغالباً وفي كثير من الاحيان بطيب نية، لكن هل الحياة طويلة الى هذا الحد حتى نضيع جهودنا في هذه التفاصيل؟
أجلس على قارعة الطريق وعلى هامش الرصيف امزق دفتر الذكريات صفحة صفحة ، انظر الى حقائبي المتخمة بالجراح ورزم الخيبات ، انظر اليها وأشفق عليها فأنا اعرف بأنها مهما امتلأت ستظل غير كافية ، فمن الصعب جمع تفاصيل حياتي في حقيبة سفر..!
أمد يدي ، اسحب شفرةً من احدى الحقائب وضعتها ولا اعرف لماذا .. لكنني اتناولها بحذر ، اقطع بها كل الرزم المرتبة ، كل الأحزمة التي تكبح جماح تهوري واقطع معها أزرار قميصي ايضاً ، امسح الالوان من فوق عيوني ، أمحو احمر الشفاه بغضبٍ وأسب حماقاتي ، امسك برموشي وأحاول تفتيها ، انثر شعري على كتفي ، ارميه فوق ظهري كذيلِ حصانٍ هائجٍ اعتاد العدو دون توقفٍ ابداً !
يتناثر عقد دمعي .. لا أقوى على تبريد هذا البركان..فأخلع القميص من على جسدي ، انزع أقراطي اللؤلؤية وودتُ لو كنت قادرةً على التجرد من كل ملابسي حتى ..
السيارات تمر مسرعةً كما وقتي المتسرب كرمل البحر بين يدي ايامي ،هذا يمر ويلقي علي نظرة اعجاب وتصفيرة ، ذاك يتوقف ليسبني ويلعن ساعة البنات وولادة البنات ، وذاك يمر بحذر متفحصاً لتفاصيل هذا البركان المنفجر على قارعة الطريق ، وتلك تمر من امامي لا بد متسائلةً بينها وبين نفسها كيف لهذه المرأة ان تتجرد من قميصها هكذا "دون احم ودستور" في الشارع العام ؟وتلك وذاك وتلك..
أما انا .. لا اتمنى شيئاً الساعة بقدر انتظاري للمطر !
محاولاتي بالصمت باءت بالفشل كالعادة ومحاولات الكلام لدي انتهت بالهزيمة ولذا قررت ان اكون وليدة النص والورق .. وما هي الجريمة في ان نكتب؟ وعراة..؟ وعلى الطريق العام ؟
ماذا لو جلسنا يوماً عراة تحت ضوء القمر؟ ماذا يعني ان تكون عارياً؟ لماذا نخشى العري الى هذا الحد؟ الأننا نخاف الوضوح والحقيقة؟وماذا لو كانت الحقيقة هي ان الإنسان لا يكون محرراً من كل قيوده تماماً الا بعد ان ينزع اطنان الأقمشة والألوان والماكياج من فوقه؟
هي معادلة بسيطة جداً .. ان تكون عارياً معناه ان تكون مرتاحاً وعندما ستكون مرتاحاً ستكون لا بد متحرراً وعندما تتحرر ستغدو سعيداً ، وعندما تكون سعيداً لا بد ستكون قادراً على التفكير بنقاءٍ وسلالة و هذا ما يخشاه الشرق !!(وبدكم الصراحة؟ هذا ما تخشاه انظمتنا العربية كي لا ننقلب ضدها ) !
على قارعة الطريق اجلس كما اجلس على حافة الحياة تماماً كما اجلس عند كل طقس كتابة جديدة ، وجهي رمادي يتمنى ولادة المطر في كل لحظة ، مكشوفة الصدر والساقين ، افرك كفتي وأصابعي كل ثانية ، عيناي تتجول في كل الزوايا من حولي ،شموعٌ تبكي في كل منطقةٍ في خيالي وفانيل يعبق برائحة الورق ، أما الحبر فيرسم طريقه على رسغي دون ان يتوه ولو بسنتمتر واحد ، ألعب بخصل شعري المتناثرة ، ابحث عن شيء لا اعرفه ولكني اظل ابحث وابحث ..
احضن حقائبي ، أسير حتى "الثيستل هايد بارك" ، احجز لعدة ايام ، اصعد الغرفة متعبة ، ارمي بالأغراض كلها دفعة واحدة وأهرول لإعداد القهوة ..
أجلس في الشرفة كما اجلس عند كل طقس كتابة ، عارية من كل قطع القماش التي ارهقت نفسي وجسدي .. عارية من كل ما هو واقعي ومتوقع،من كل الوان البديهية والمنطق ، عارية حتى من غيوم قلقي ..
ارتشف القهوة على مهل ، أدير مذياعي الصغير :
"وهوى الوديان زكرني بهواكم..
هوى الوديان
قلبي الولهان شعلان بهواكم..
قلبي الولهان"
الله عليك .. الله يا صافي !

السبت، ١٦ أكتوبر ٢٠١٠

فن الحذف

كنت اعتقد دوما أن فن الحذف مقتصرٌ على الادب وحسب.. على تلك الجملة التي قد لا تضيف شيئا لجسد القصيدة ،على تلك الاستعارة التي قد تضعف صدر المعنى بدل ان تقويه ،لكنني اليوم وبعد ان توصلت الى ان الادب هو نهج حياة.. روح قتالية ودفاع شريف عن المبادئ والخطوط العريضة لحياتنا وأجسادنا وان الكاتب مهما كانت مكانته في الوسط الادبي والحياتي والاجتماعي، صغيراً كان ام كبيراً فانه سيظل دوماً اسير كلماته وقناعاته الخاصة حتى لو حاول تغير ذاته وضربوه بالمطرقة على رأسه كل يوم !
بتُّ على قناعةٍ اليوم أن فن الحذف ليس ضروريا في الأدب فقط وانما في حياتنا اليومية ايضا فحذف الاشخاص من قائمة ايامنا وقلوبنا ليس بالامر السهل لكنه ضروري بل وحتمي جدا رغم كل الالم الذي قد يرافق دورتنا الشعورية والحياتية ...
فلماذا يجب ان نحتوي الاخر الذي يحبطنا ان لم يكن يفهمنا او يحترمنا لاننا مختلفين لا غير ، لماذا يجب ان نكون ضحية لجلادٍ نسميه قريباً او حبيبا او حتى صديقا حتى ؟
الحذف حتمي من قائمة النبض والعقل والأيام ايضا وليس غرورا انما حاجة مهمة لا غنى عنها ، فاحذف من يحتقرك لانك لا تشبهه في الايدلوجيا او نهج الحياة او المبادئ ... واحذف من لا يضيف لك شيئا على خريطتك الفكرية والثقافية وكأن وجوده مجرد ظل او صورة او جدار وهمي قد يحميك ، واحذف من يرتل لك كل يوم اوامر عليك ان تنفذها رغما عنك.. واحذف من يؤلمك ويفرغ رصاص تعقيداته وافكاره المسبقة على باب فؤادك.. واحذف من لا يأبه لآلامك وآمالك فأنت ببساطة قد تكون مجرد عادة روتينية مقيتة له او منظرا يتباهى به او رهانا قد راهن به عليك امام اصدقائه وفاز بطرقه الملتوية وخدعه الكثيرة او مجرد صيدٍ لنيةٍ مؤجلة في نفس يعقوب... واحذف من حياتك كل من لا يريد ان يسمعك ..أجل.. خاصةً من لا يريد ان يسمع ما تقول او تكتب فهذا بحد ذاته قمة الاحتقار والسخف والاستهتار لا وبل مؤشر قوي على انك لا تعني له شيئاً فكل ما تفكر به ضربٌ من الحماقة لديه والنتيجة انك بمحصلة حياته تساوي صفراً..
احذف كل من لا يحس بينه وبين نفسه اولاً ان علاقته بك هو مدعاة للفخر والأمل والنجاح ...
احذف واحذف واحذف وابقي المشاعر سيوفا في غمدها والا قتلتك او كلفتك اعصابك وايامك وحياتك...!
فن الحذف ليس مقتصراً على الأدب وعلاقتك بالآخر وإنما على كل العادات السيئة التي تجعل منك عبدا مسيرا لها ... كالسيجارة المقيتة ... كالأغنية التي تصر ان تسمعها دوما لمجرد انها جميلة وتذكرك بذكرى ما ماضية فالاغنية التي لم تسمعها بعد ستظل دوما ابهى حلة من الأغنية التي سمعتها تماما كالقبلة التي تحدث عنها نزار ...وأنتِ ايضا احذفي من دولابك كل الفساتين التي اعتقدت يوما انها جلبت لك الحظ فلا شيء في حياتنا اسمه حظ او صدفة .. كل شيء لسبب وكل شيء لم يخلق عبثا ... ولا تصري على ارتداء الأسود ظنا انه سيخفي كل الكيلوغرامات الزائدة فبهذا توهمين نفسك يا عزيزتي .. ان لم تكوني مقتنعة بشكلك وجسمك الجميل فهنا تكمن المشكلة الكبرى لا في شكل الفستان ولا في لونه ولا حتى ان كانت خطوطه عمودية ام أفقية !
احذف من قائمتك الشهرية كل الايام المتكررة التي اجتررتها بحكم العمل والعائلة والضرورة.. احذفها فاليوم الذي تعيشه كاليوم الذي كان البارحة وسيكون غدا هو ليس داخلا في حساب عمرك وحياتك التي لا تقبل ابدا ان تكون فقيرة المشاعر عديمة التجدد .. احذف من مطبخك نوع القهوة الذي تشربه دائما وجرب كل انواع القهوة ..العربية.. التركية.. البرازيلية فلكل منها نكهتها ولذتها ، ولكل منها إضافة كافائينية ، ومزاجية مختلفة ، احذف من قائمة طعامك تلك الاكلة التي تأكلها دوما فقط كي توهم نفسك انها المفضلة وانها اللذيذة بين كل الاكلات خاصة ذاك الاكل السريع الممل المقيت ،وجرب تناول نوع واحد من الخضار على الاقل كل يوم ، وهكذا ستحافظ على صحتك وستعرف عندها ان للحذف دور ضروري في حياتك حتى الصحية منها .. احذف ...............احذف واحذف واحذف ..
احذف دموعك من مرآة عينيك وجرب ان تستبدلها بابتسامة ساخرة حفاظاً على مكانتك وإلا استغل الآخر شفافيتك ولحظة ضعفك .. وافتح دفتر مذكراتك كل ليلة واكتب كل ما يؤلمك وعند شروق شمس فجر اليوم التالي مزق تلك الصفحة وابدأ يومك الجديد كأنه الاول في حياتك .. لأنك ان لم تفعل كل ما ذكر اعلاه ستظل أسير حزنك الماضي ويأسك القادم !
احذف واحذف لكن عندما تحب فلتحب امرأة واحدة تغنيك عن كل النساء –فكل نساء الأرض لا يساوين شيئا امام ابتسامة واحدة من المرأة التي تحبها ...!

الاثنين، ٢ أغسطس ٢٠١٠

"لماذا نتزوج؟"

"أعرف وجهه الفولكلوري ووجهه الشهواني ووجهه المكسور، ولا أعي انني اعرف وجوهه كلها ، اتوهم احياناً انني اعرفه ولكنني أعي انه كلما مرت السنين علينا معاً ان ثمة دهاليز تقود الى دهاليز في اعماقه كما هي حالي ولا احد يعرف حقاً أي شخص حقاً حتى لو ربطت بينهما عقودٌ من الزواج"!
هذا ما تقوله الأديبة الرائعة "غادة السمان" في حديثها عن معرفة الآخر خاصةً المؤسسة الزوجية فهذه المؤسسة القائمة منذ آلاف السنين آخذة بالانهيار شيئاً فشيئاً ، ورغم ان الانسان لا زال مستمراً وفي كل المجتمعات بإنشاء هذه المؤسسة يوماً بعد يوم ، بوعي وغير وعي ،ارادياً ولاإرادياً ، مدركاً للضريبة التي سيدفعها من عمره ، وقته ،اعصابه وحياته ، وغير مدرك، إلا ان حالات الطلاق والخيانات الزوجية آخذة بالارتفاع بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة !
فلماذا اذن يضطر البشر للزواج اصلاً؟ وكيف يقبل الفرد تقييد حريته وربط كل تفاصيل حياته بشخص آخر قد يفهمه ويتقبله كما هو وقد لا يفعل ! بحجة ان هذه هي "سُنّة الحياة" ، وحتى لو فرضنا ان الشريكين متفقين ومتفاهمين فهل تستحق هذه المؤسسة كل هذا الرهان وهذه المغامرة ؟
بعد ان كانت علاقة الرجل بالمرأة مقتصرة على المشاعر والجنس والغذاء ، فقد ظهر مفهوم الزواج عندما فرضت الذكورة سلطتها في المجتمعات مع ظهور الشكل الاول للفردية الزراعية ، وبدأ ذكور القبيلة بإبراز مفهوم الزواج كعلاقة طويلة الأمد يجب تقديسها مستخدمين بذلك كل الأساليب والطرق وأهمها الدين ليشكل ذلك حجة قوية لا تردع في وجه كل من يعترض !
أما أنا فأرى بأن الزواج ما هو سوى مؤسسة روتينية فاشلة ، بل وهي أسوأ مؤسسة اجتماعية تتزين بالكذب والنفاق والتظاهر الدائم ، ولا انفي بهذا الحديث كم من ايجابيات قد تتوفر بين الزوجين ،لكنني لو أحصيتها لوجدت ان السلبيات بارزة بشكل ملحوظ جدا ، فبينما تكون المرأة ماكنةً لتفريخ الاطفال وتلقى عليها مسؤؤلية الحفاظ على هذه المؤسسة في مجتمعاتنا العربية من تربية ، تغذية، ودٍ واخلاص ، يكون الزوج في معظم الحالات رجلاً مشغولاً ذا صوت مرتفع ،يسرح ويمرح بنظراته قبل تحركاته ويفاخر بين اصدقائه بأنه قادر على تنظيم وقته بين زوجته ومعشوقته او بين زوجته الاولى وزوجاته الاخريات، وفي هذه الحالة يتسم الرجل بنظر الغير بأنه "عنتر زمانه" وأنه " راجل ولا كل الرجالة " !
وهذا كله ايضاً لو غضضنا البصر عن عقود الزواج ومعانيها، ورمي كل مفاتيحها بيد رجل قد يعدل وقد لا يفعل ، هذا إن كانت الورقة اصلاً تحفظ للمرأة مكانتها وكرامتها في مجتمعاتنا !
إن الاختلاف في المستوى الفكري ، الثقافي والاجتماعي يشكل اكبر تهديد على هذه المؤسسة لأن احد الطرفين سيكون راضياً دوماً والآخر متذمراً ، مكبوتاً وسيكون كل واحد متواجد في عالمٍ آخر كلياً، وهنا سنعتقد بأن عامل المشاعر والأحاسيس سيكون قادراً على الصمود امام تحديات الحياة في هذه المؤسسة ،لكنني اتساءل كيف ستستطيع المشاعر حل هذه المعضلة امام التغييرات التي ستطرأ على كل شريك منهما في هذه المؤسسة فالواحد منا يتغير في اليوم مائة مرة وتتبدل مزاجيته وأفكاره وخبرته في الحياة كل يوم، إذن سيجد الزوجين انهما غريبان عن بعضهما في مرحلة ما وهنا تبدأ المشاكل وتبدأ اصواتهما بالوصول الى مسامع الجيران !
وليس هذا فحسب وانما قد تتعرض هذه المؤسسة للانهيار في أي لحظة بسبب الملل والفتور الذي قد يسيطر على العلاقة وقد يحتلها فيبيت الروتين اكبر عدو من الصعب محاربته ، فكيف يراهن الفرد على حياته بزج نفسه ارادياً في هذا السجن وهو معرض للفشل في كل لحظة بين الجرح من خيانة قد تكسر قلبه وبين الملل الذي قد يخنقه او حتى بسبب التغييرات التي ستطرأ عليه بحكم الحياة اليومية والتجارب المستمرة المختلفة!
لقد اظهرت دراسة مثيرة نشرت في موقع " العربية نت" بأن نسبة الطلاق قد ارتفعت في العشرين سنة الاخيرة من 25% الى 60% ، هذا اذا ما تجاهلنا ايضا ً حالات الزواج الصامدة فقط بسبب الاولاد او الخوف من لقب مطلق او مطلقة او اولئك الازواج الذين رضوا بالبقاء معاً بسبب عمل مشترك او مصالح مادية ما !!
وهذه كلها طبعا تكون ضمن ال40% المتبقية ، اذن لماذا نتزوج ؟ لماذا؟

السبت، ٢٩ مايو ٢٠١٠

في ليلة السبت2

في ليلة السبت تهرب مني كل اطياف من رحلوا وتولي كأسراب اليمام الى دروب اجهل نورها , حينما تلبس الأحلام ملابس الحداد وتلقيني بقوةٍ في مهب ريح الذكريات المعتمة على بُعد لحظة يقظةٍ وسنين مسافرةٍ من النوم , ولعله هو ذاك الشوق اللعين ما يدعوني للتقلب على انصال سيوف غادرة لم تختر سوى قلبي الصغير لتنقش فيه كل آلامي الفائضة في شراييني وآمالي القادمة!
لكنني اعلم علم اليقين " بأننا في كل ما نقول وما نفعل وما نكتب إنما نفتش عن انفسنا " , ورحلة البحث عن الذات لطالما كانت شاقة ومرهقة , ولأنني ابحث عن ذاتي , عن أنايَ الحائرة وسط هذه المدينة الواسعة فعليها اذن ان تقبلني كما انا دون أي رتوش او تنازلات رغماً عن كل ذرة ترابٍ فيها الا تكفيني متاعب هذه الرحلة؟
لقد قررتُ شنَّ الحرب المعلنة في ليلة السبت , سأغني ,سأرقص , سأسبُّ القدر البائس, سأكسر كل ابواب الخيبة , وسأبكي , اجل سأبكي... فلا شيء اجمل من تنقية النفس بعد شتاءٍ كاملٍ من البكاء ! وما المشكلة لو ظن كل من يراني بأني مجنونة؟ ما المشكلة؟ "فأجمل الأشياء هي تلك التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل "!!
لماذا يصفوننا نحن اصحاب القلم والضمير الحي والكلمة الهادفة المتمردة بالمجانين؟ وكأن المبدع هو فعلاً محض شبحٍ لا وبل غريب الاطوار ايضاً ؟ لماذا يجب ان يكون الإبداع مجرد اجترارٍ لكل ما مضى؟ او تكرارٍ منقوصٍ لكل من غادروا بموعدٍ ودونما موعد؟
وهل فعلاً يعتبر المبدع ( كاتباً كان –ممثلاً-شاعراً وحتى راقصاً ) من غير البشر؟
لا ادري..ربما كان كذلك فأحياناً أحسُّ اني املك ثلاث عيون وثلاث آذان وقلبين , وأحس بحاجتي للبكاء بقدر عشر نساء وللحضن بقدر امرأة لم تحتضن من قبل ابداً , لماذا اصرُّ على أن أحسَّ بالأشياء كلها على طريقتي الخاصة ؟ ولماذا في ليلة السبت تحديداً؟
لست ادري .. لست ادري فالأدب ما كان يوماً عرضاً للحقائق والإجابات , انه تورطٌ يتجاوز المكان والزمان والطبيعة , تشعر بأنك متورطٌ من رأسك حتى اخمص قدميك تارةً بنبيذ الفردوية الغامضة ويسعدك ذلك حتى الثمالة , وتارة اخرى ترى نفسك تعيساً وتتمنى لو خُلقت عادياً لا وبل عادياً جداً كمعظم البشر الراضين بما ملكوا وأكلوا وشربوا وقرأوا صدفةً أو مارسوا الحب بصدقٍ مرة واحدة فقط ليوهموا أنفسهم انهم على قيد الحياة وهُم في الحقيقة لا يحيون إلا يوماً واحدا كفيلم يومي يذاع على القناة الارضية وبالأسود والأبيض ايضاً !
ولعلَّ الفلاسفة قد صدقوا بادعائهم أن الشاعر اوالكاتب او الفنان يمتلك شخصية مختلةً في توازنها لا في الذكاء ولا العقل , وربما كانت "أزهار الشر" خير دليل على ذلك والعاكسة لروح احد رموز الحداثة في العالم "بودلير" والذي فشل في التأقلم مع نفسه ومجتمعه وحتى أسرته الشخصية , ولكن إن اعدنا النظر لكل ظروفه الحياتية والمجتمعية وفشله المتواصل لوجدنا ان كل ظروفه هذه هي التي كانت وقود شعره الرائع !
وربما كان ادراكنا لحقيقة اختلافنا هو ما يدعونا للعزلة والحاجة للتأمل الطويل الذي قد يمتد سنيناً بأكملها , او ضرورةً حسية لاختصار كل مظاهر النفاق الاجتماعي او الجهل الفكري المقيت وهذا وحده كفيلٌ بزجنا في سجن التميز الموحش والمسبب لوحدةٍ وغربةٍ لا تنتهي ابداً رغم كل الحاضرين والمارين والراحلين!
مشكلتنا تكمن بأن غير المبدعين يظنون دوماً بأننا نتفلسف او " نعمل من الحبة قبة" لكنهم لا يعرفون ابداً بأن هذه هي مشكلة وجودنا الكبرى, فنحن نمتلك في "جوانية" روحنا مليون عالمٍ حسي خيالي ,ولأننا نرفض ان نتواجد في القوالب الاجتماعية المتعارف عليها , فترانا دوماً افراداً متمردين على كل ما هو قائم وكل ماهو مفهوم ضمناً في اطار المسموح والممنوع والحلال والحرام , والمشروع وغير المشروع في سلة الدين والعادات السائدة والأعراف !
لذا يسبقني الحبر دوماً قبل ان انطق ببنت شفة وتغزوني التعابير وتقيدني في هذه الليلة وتشلني عن كل حركة خارج دائرة الحبر او مساحة الورق !
في ليلة السبت اكره التواجد في البيت , فالجأ للكتابة امام عملاق إلهامي الكبير ، هذا الذي على بساطه يجتمع الرمل والماء معاً ...
في ليلة السبت اكره بيتي , اكره التحديق بجدرانه ايضاً , ألا يكفي أننا نعارك الريح والنفس والجدران طيلة ايام الأسبوع؟
اكره ليلة السبت لأنها جافةُ, حارقةٌ وصامتة , اكرهها لأنها تعلقني على مشنقة الانتظار للمجهول, اجل اكرهها وألعنها وأريد حذفها من رزنامة الأسبوع فما عدت بحاجة إليها , فأناي باتت تعرف من انا..
أنا طائرٌ نورسي يحلق بين الواقع والخيال شاءت الصقور ذلك ام أبت !

الأحد، ٢١ مارس ٢٠١٠


في ليلة السبت

جزء 1:
في ليلة السبت يغافلني القمر ويختبئ تحت لحاف نجومه كما لو كان قد تزوجهم في الخفاء وآثر ان يقضي ليلته بعيداً عني وعن نار جنوني كما اعتاد ان يفعل في نهاية كل اسبوع ..
في ليلة السبت يصير لوقع الإبرة في البيت رنين مميز فمعظم الجيران غير متواجدين في فراش احلامهم اللؤلؤية ، وفي هذه الليلة بالتحديد احمل كوب قهوتي التي أُصرُّ على شربها دوماً مع الهال وبدون سكر فهي لن تكون أمرَّ من الشعور بالتمزق ورحيل الهوية في هذه المدينة الكبيرة الواسعة والتي ستتعثر بكل خطوة فيها بأجناس مختلفة من البشر ويصير لصداقتك مع احدهم قيمة كبرى خاصة اذا ما كانت هذه هي العلاقة المقربة الوحيدة التي تمتلكها ، فحين تسكن صدفة في مدينة يهودية تنام على كتف يافا البهية ستحس آجلاً ام عاجلاً بانفصام حتمي في الشخصية كما أحسُّ في كثير من الأحيان ، فأنت العربي الفلسطيني عاشق رائحة الزعتر وشارب نبيذ القاسم والدرويش وناطق الضاد حتى لو دسستَ بينها عشرات الكلمات العبرية والانجليزية الأخرى تجد نفسك ضائعاً في دوامة اختيار تصرفاتك وحركاتك وحتى احرف كلامك المتقطع في كل موقف تواجهه حتى لو كان تافهاً ، بل وأكثر من ذلك ، فكيف سيكون شعورك حين ترى بأم عينك بأن المدينة قد امتلأت عمالاً أجانب " هعوفديم هزريم" ليسرقوا قوت أهلنا وأجدادنا ، وكيف ستشعر حين تجلس في الحافلة وترى عيون جميع الراكبين تحدق بك من رأسك حتى اخمص قدميك وأنت تتحدث العربية خلال إحدى مكالماتك في هاتفك المحمول ؟وكأنك كائن فضائي هبطت على الأرض فجأة ويجب نسفك تماماً رغم انك قد تكون جالساً لجوار روسي ما يثرثر بالروسية الثقيلة او العبرية المكسرة وكأنه من المفهوم ضمناً ان مكانه محفوظ هنا ،أما انت؟! فلا ذنب لك سوى انك من عرب "48"!
فكم بالحري لو كنتِ شابة عربية وجئت من القرية الصغيرة التي كان يحشر كل واحد فيها انفه بأمور الآخر بحقٍ وبغير حق ، وقد أتيت إلى هذه المدينة الكبيرة التي لا ينظر فيها حتى الأخ إلى اخيه والتي تجمع بين اليهود وا لروسيين والإثيوبيين والعديد من الجنسيات الأخرى ، فتستأجري شقةً في احدى البنايات الضخمة العالية والتي تجمع بين كل هؤلاء جميعاً !
في ليلة السبت احبس دموعي في خزانة البيت ، ألبس اجمل فساتيني ،ألون شفاهي العطشى للابتسام بأحمر الشفاه الوردي متيمنةً بالخير كلونه الفاتح ، أضع حزمة اوراق بيضاء وقلمين من الحبر الأسود في حقيبتي وأستأذن جارتي الاثيوبية بقطف زهرةٍ بيضاء من أصيصها الذي ملأته توليباً امام باب البيت ، وعندها اتورط ورطتي الكبرى فتترك توضيب البيت وتبدأ بسرد ديباجتها المعتادة علي من لحظة قدومها الى البلاد ، الى فصول العنصرية ضدها وضد اولادها ، وحتى الى آخر موقفٍ واجهته صباح اليوم مع صاحب الشقة الذي هددها بالطرد إن لم تدفع الأجرة خلال يومين ، خاصةً انه نوّه مراراً بأنه يفضل ان يصير معظم سكان العمارة من القادمين من بلاد الثلج والصقيع " هعوليم هحدشيم" !
ومع كل هذا أقفُ امام مرآة بيتها محاولةً وضع الزهرة على شعري ، مقدرةً لألمها ولا مبالية في الوقت ذاته ،فإذا كانت هي قد جاءت إلى البلاد بتصريح من الدولة العبرية قبل سنتين او ثلاثة وتشعر بكل هذه المرارة فكيف سأصف لها مرارة التمييز ضدنا ونحن مواطني هذه البلاد منذ اكثر من ستين عاماً وولدنا فيها قبل قدومها وقبل أبيها وجد جدها الذي لم يولد هنا اصلاً ، وهل ستقدر هذا الألم دون ان تحترق بنار حرائقنا نحن؟ لا أظن ذلك (رغم كل طيبتها) !
أواسيها ببعض الكلمات ، أحمل كوب قهوتي وأسير متجهةً الى شاطئ البحر الذي لا يبعد كثيراً عن بيتي ، هاربةً من كل همومي الماضية والحاضرة ومتمايلة على أنغام ال"أم بي 4" والذي اهتم بأن انقل اليه من حاسوبي الخاص كل اغاني أم كلثوم وكاظم الساهر و" الويست لايف" و" الفرانك سيناترا"،فكل هؤلاء سر عشقي الكبير للحياة ولولاهم ما هان علي لا ليلٌ ولا نهار ، وأزج نفسي في الزحام لأسير غريبةً في موكب الغرباء.
أسير في الطرقات مشوشة الشعور فتارةً يذبحني الحزن من الوريد إلى الوريد وتارةً أحس براحةٍ لا تضاهى تنبع من عدم معرفتي لأي أحد هنا، فحتى لو مشيت على رأسي لن يأبه احد بذلك هنا ، ولن أتعرض لأي مسائلةٍ اجتماعية بلهاء !
" ولعل ما يعطي السفر او البعد قيمة ما ، هو ذاك الخوف نفسه حيث يتحطم في داخلنا بعض من كياننا ، فالسفر ينتزع منا ذاك الملجأ الأخير عندما نكون بعيدين عن ذوينا ولغتنا وقد اقتلعنا من دواعمنا وعندها نصبح على سطح ذاتنا بكليتنا ".
في ليلة السبت أقفل هاتفي المحمول وأفتح الباب لشيطاني الملهم فلعله يزورني اليوم ويوقظ في داخلي كل عواصف أنايَ المؤجلة ! فأسير فاتحة ذراعي للريح جاهزةً لسماع طبول النبض الحائرة وراضية بما اقترفت من جرائم جنونية بحق نفسي خائفةً من المجهول الآتي!
والغريب في الأمر ان المشاهد هي نفسها تتكرر كل اسبوع ، فالشوارع تمتلأ بكل اجناس البشر ومعظمهم من الكبار في السن برفقة الكلاب والقطط ، وهل تراه الانسان لا يحس بقيمة الطبيعة والحيوان الا بعد ان يتمزق من جروح البشر وغدرهم؟ فيمضي حياته بجري مستمر خلف المال والأعمال ليحس فجأة ان العمر قد مضى وأن عليه ان يستمتع ببهاء الطبيعة والأرض قبل ان يهاجمه ملاك الموت فجأة؟
لا ادري .. لا ادري، فليس ملاك الموت من يؤرقني في ليلة السبت وإنما وحده سؤال يقلقني .. من انا في هذه المدينة الكبيرة؟ من انا بحق السماء ؟

السبت، ٢٧ فبراير ٢٠١٠


زوجي ليس رجلاً

ستائرُ غرفة النوم الساكنة، فراش الزوجية البارد صيفاً شتاء، عطور وردٍ ذابل تسلقت جيدها العاجي، ليالي السهاد التي لا تنتهي، دموع الحزن الملتهبة والتي تشعل عيون الشموع من حولها
وبكاءٌ يتناغم مع كل لحنٍ حزين وتأرجح نجوم اليأس والملل على شرفة صدرها الذي لا يتزين سوى بتنهداتها المتواصلة مذ عرفت حقيقته وأدركت اخيراً سبب استعجاله لإتمام مراسم زواجهما...
هو طقسُ حدادٍ يومي اعتادت اتقانه كل ليلةٍ بنظرتها المنكسرة المقهورة امام استبداد غروره وتحليق طيور عينيه القاسيتين في سماء قلبها الذي بدأ يموت يوماً بعد يوم وجفاف اوردتها فلا تسمع منه كلمة حلوة ولا حتى كلمة شكر ابداً، الا يكفي انه اخفى عنها عجزه عن القيام بواجباته الشرعية في الفراش؟؟
لم تدم خطبتهما سوى أسبوعين انطلقا بهما كمن يمتطي جواداً يعدو دون توقف لإتمام عش الزوجية وتحضير الاحتفالات باليوم المنتظر، ورغم استغرابها الدائم من سكونه المعتاد ومن تمتمات امه الدائمة وهمسات اخوته الملحوظ الا انها لم تأبه ابداً فكل همها كان تأسيس عائلة خاصة بعد ان تجاوزت الخامسة والثلاثين، ولعل شعورها بالحاجة الى من يحمل الرسالة من بعدها ورغبتها باستمراريتها عبر طفل يلبي شعورها الطبيعي بالأمومة هو الذي جعلها تغض البصر عن كل تلك الغرابة التي كانت تحيط بذاك الزواج الذي ادخلها القفص بسرعةٍ غير اعتيادية!!
صعقها تيار الحقيقة بعد ليلتهما الاولى، وتوسلت اليه طالبة منه مراجعة الطبيب في كل فرصة هدوء سانحة بينهما، غير ان غروره الذكوري الاناني منعه من الاستجابة لرجائها المتكرر، وكان هذا دافعاً قوياً لنمو اسوار الاشواك والخلافات بينهما حتى انقطع حبل التواصل اخيراً بعد مرور عدة اشهر لم تخلُ من الشجارات وحتى العنف الجسدي احياناً فقد حاول اخفاء عجزه بلكماتٍ حقيرة لم تعينه على اسكات رغباتها ونداء روحها المكسورة ...
انه ليس رجلاً ولم يكن كذلك يوماً .. لا لعدم قدرته على القيام بواجباته الزوجية وحسب بل ورفضه للذهاب للعلاج ولعدم اكتراثه لأي جزء من معاناتها، لأنه لا يحترمها ..يشتمها، يضربها، يلعن قبور اجدادها، يعود ثملاً كل ليلة ويتركها كالكلبة تأكل لوحدها، تنام لوحدها ولا يسمح لها بالخروج الا لبيت اهلها ومتى شاء!
وأخيرا بدأت تفكر بالطلاق ملياً، لكن اشباح الافكار بدأت تطاردها ليل نهار فماذا سيقول الناس عنها بعد ان تتطلق ولم يمض على زواجها سوى بضعة شهور؟ وكيف ستدعها امها تواصل حياتها الطبيعية إن عادت اليها مطلقةً وهي القاسية التي رددت على مسامعها دوماً " ان المرأة عشر عورات فإن تزوجت ستر الزوج واحدة، واذا ماتت ستر القبر التسع عورات المتبقية"، اذن كيف ستواصل الحياة مع امرأة تؤمن بقول جائر كهذا؟
وكيف ستسلم من تحرشات شباب القرية ومضايقاتهم المتكررة لها؟ واي صديقة ستستقبلها في بيتها بعد ان تتطلق وهن اللاتي كن يغرن منها حتى قبل ان تتزوج وكن يخشين على ازواجهن منها فجمالها الفتان كان مغناطيسا يجذب أي رجل ! ثم ما الذي ستستطيع فعله في مجتمع متخلفٍ لا يرحم، خاصة انها لم تتعلم شيئا ولا تتقن أي صنعة باستثناء الطهي والواجبات المنزلية المعتادة، اضف الى كل ذلك انها تكاد تكون متأكدة ان زوجها لن يطلقها حتى لوتعلقت بحبال نجوم السماء نفسها !
هي افكارٌ دارت في محيط قلبها وعصرت نبضها عصراً لكن خوفها من نار المواجهة واعصار النبذ المتوقع ارغمها على تناسي الفكرة رغم كل الحرمان الذي تعيش به ومع كل ذلك فهي لم تسلم ابدا من لسان اقرباء زوجها وتلميحاتهم لها بأنها عاقر فأخلاقها النبيلة لم تسمح لها بفضح زوجها امام أي مخلوق كان فهي ذاقت مرار المجتمع كله باعتبار الموضوع فضيحة وأي فضيحة!!
وهذا كله دفعها للتفكير بطرق ملتوية لم تفكر بها يوما حتى لجأت اخيرا الى اقامة علاقة غير شرعية مع ابن الجيران الذي لم يبلغ السابعة عشرة بعد الى ان ضبطت اليوم بالجرم المشهود حين عاد زوجها من العمل ووجدها متلبسة في الفراش مع ابن الجيران فجن جنونه واستل سكين المطبخ وقام بقتلهما ثائراً لرجولةٍ لم يمتلكها يوماً، فانطلقت الاحتفالات وعلى صوت الزغاريد واذاعت امه في القرية خبر بحثها لابنها عن عروس بينما يقضي فترة حكمه المشرفة فصفقوا يا سادة يا كرام وزوجوه فهو" رجلٌ والرجالُ قليلُ "!

الأربعاء، ١٧ فبراير ٢٠١٠